كتاب ذمالجاه والرياء
وهو الكتابالثامن من ربع المهلكات من كتاب إحياء علوم الدين
بسم اللهالرحمن الرحيم
الحمد للهعلام الغيوب المطلع على سرائر القلوب المتجاوز عن كبائر الذنوب العالم بما تجنه الضمائرمن خفايا الغيوب البصير بسرائر النيات وخفافا الطويات الذي لا يقبل من الأعمال إلاما كمل ووفى وخلص عن شوائب الرياء والشرك وصفا فإنه المنفرد بالملكوت فهو أغنى الأغنياءعن الشرك والصلاة والسلام على محمد وآله وأصحابه المبرئين من الخيانة والإفك وسلم تسليماكثيرا.
أما بعدفقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أخوف ما أخاف على أمتي الرياء والشهوة الخفيةالتي هي أخفى من دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء حديث إنأخوف ما أخاف على أمتي الرياء والشهوة الخفية أخرجه ابن ماجه والحاكم من حديث شدادبن أوس وقالا الشرك بدل الرياء وفسراه بالرياء قال الحاكم صحيح الإسناد قلت بل ضعيفهوهو عند ابن المبارك في الزهد ومن طريقه عند البيهقي في الشعب بلفظ المصنف ولذلك عجزعن الوقوف على غوائلها سماسرة العلماء فضلا عن عامة العباد والأتقياء وهو من أواخرغوائل النفس وبواطن مكايدها وإنما يبتلى به العلماء والعباد والمشمرون عن ساق الجدلسلوك سبيل الآخرة فإنهم مهما قهروا أنفسهم وجاهدوها وفطموها عن الشهوات وصانوها عنالشبهات وحملوها بالقهر على أصناف العبادات عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرةالواقعة على الجوارح فطلبت الاستراحة إلى التظاهر بالخير وإظهار العمل والعلم فوجدتمخلصا من مشقة المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق ونظرهم إليه بعين الوقار والتعظيمفسارعت إلى إظهار الطاعة وتوصلت إلى اطلاع الخلق ولم تقنع باطلاع الخالق وفرحت بحمدالناس ولم تقنع بحمد الله وحده وعلمت أنهم إذا عرفوا تركه الشهوات وتوقيه الشبهات وتحملهمشاق العبادات أطلقوا ألسنتهم بالمدح والثناء وبالغوا في التقريظ والإطراء ونظروا إليهبعين التوقير والاحترام وتبركوا بمشاهدته ولقائه ورغبوا في بركة دعائه وحرصوا على اتباعرأيه وفاتحوه بالخدمة والسلام وأكرموه في المحافل غاية الإكرام وسامحوه في البيع والمعاملاتوقدموه في المجالس وآثروه بالمطاعم والملابس وتصاغروا له متواضعين وانقادوا له في أغراضهموقرين فأصابت النفس في ذلك لذة هي أعظم اللذات وشهوة هي أغلب الشهوات فاستحقرت فيهترك المعاصي والهفوات واستلانت خشونة المواظبة على العبادات لإدراكها في الباطن لذةاللذات وشهوة الشهوات فهو يظن أن حياته بالله وبعبادته المرضية وإنما حياته بهذه الشهوةالخفية التي تعمى عن دركها العقول النافذة القوية ويرى أنه مخلص في طاعة الله ومجتنبلمحارم الله والنفس قد أبطنت هذه الشهوة تزيينا للعباد وتصنعا للخلق وفرحا بما نالتمن المنزلة والوقار وأحبطت بذلك ثواب الطاعات وأجور الأعمال وقد أثبتت اسمه في جريدةالمنافقين وهو يظن أنه عند الله من المقربين وهذه مكيدة للنفس لا يسلم منها إلا الصديقونومهواة لا يرقى منها إلا المقربون ولذلك قيل آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرياسةوإذا كان الرياء هو الداء الدفين الذي هو أعظم شبكة للشياطين وجب شرح القول في سببهوحقيقته ودرجاته وأقسامه وطرق معالجته والحذر منه ويتضح الغرض منه في ترتيب الكتابعلى شطرين الشطر الأول في حب الجاه والشهرة وفيه بيان ذم الشهرة وبيان فضيلة الخمولوبيان ذم الجاه وبيان معنى الجاه وحقيقته وبيان السبب في كونه محبوبا أشد من حب المالوبيان أن الجاه كمال وهمي وليس بكمال حقيقي وبيان ما يحمد من حب الجاه وما يذم وبيانالسبب في حب المدح والثناء وكراهية الذم وبيان العلاج في حب الجاه وبيان علاج حب المدحوبيان علاج كراهة الذم وبيان اختلاف أحوال الناس في المدح والذم فهي اثنا عشر فصلامنها تنشأ معاني الرياء فلا بد من تقديمها والله الموفق للصواب بلطفه ومنه وكرمه
بيان ذم الشهرة وانتشار الصيت
اعلم أصلحك الله أن أصل الجاه هو انتشار الصيت والاشتهاروهو مذموم بل المحمود الخمول إلا من شهره الله تعالى لنشر دينه من غير تكلف طلب الشهرةمنه قال أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حسب امرئ من الشر أن يشيرالناس إليه بالأصابع في دينه ودنياه إلا من عصمه الله حديث أنس حسب امرئ من الشر إلامن عصمه أن يشير الناس إليه بالأصابع في دينه ودنياه أخرجه البيهقي في الشعب بسند ضعيفوقال جابر بن عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسب المرء من الشر إلا منعصمه الله من السوء أن يشير الناس إليه بالأصابع في دينه ودنياه إن الله لا ينظر إلىصوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم حديث جابر بحسب امرئ من الشر الحديث مثله وزادفي آخره إن الله لا ينظر إلى صوركم الحديث هو غير معروف من حديث جابر معروف من حديثأبي هريرة رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب بسند ضعيف مقتصرين على أوله ورواهمسلم مقتصرا على الزيادة التي في آخره وروى الطبراني والبيهقي في الشعب أوله من حديثعمران بن حصين بلفظ كفى بالمرء إثما ورواه ابن يونس في تاريخ الغرباء من حديث ابن عمربلفظ هلاك بالرجل وفسر دينه بالبدعة ودنياه بالفسق وإسنادهما ضعيف ولكن ذكر الحسن رحمهالله الحديث تأويلا ولا بأس به إذ روى هذا الحديث فقيل له يا أبا سعيد إن الناس إذارأوك أشاروا إليك بالأصابع فقال إنه لم يعن هذا وإنما عنى به المبتدع في دينه والفاسقفي دنياه وقال علي كرم الله وجهه تبذل ولا تشتهر ولا ترفع شخصك لتذكر وتعلم واكتم واصمتتسلم تسر الأبرار وتغيظ الفجار وقال إبراهيم ابن أدهم رحمه الله ما صدق الله من أحبالشهرة وقال أيوب السختياني والله ما صدق الله عبد إلا سره أن لا يشعر بمكانه وعن خالدبن معدان أنه كان إذا كثرت حلقته قام مخافة الشهرة وعن أبي العالية أنه كان إذا جلسإليه أكثر من ثلاثة قام ورأى طلحة قوما معه نحوا من عشرة فقال ذباب طمع وفراش نار وقالسليم بن حنظلة بينا نحن حول أبي بن كعب نمشي خلفه إذ رآه عمر فعلاه بالدرة فقال انظريا أمير المؤمنين ما تصنع فقال إن هذه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع وعن الحسن قال خرجابن مسعود يوما من منزله فاتبعه ناس فالتفت إليهم فقال علام تتبعوني فوالله لو تعلمونما أغلق عليه بابي ما اتبعني منكم رجلان وقال الحسن إن خفق النعال حول الرجال قلماتلبث عليه قلوب الحمقى وخرج الحسن ذات يوم فاتبعه قوم فقال هل لكم من حاجة وإلا فماعسى أن يبقى هذا من قلب المؤمن وروي أن رجلا صحب ابن محيريز في سفر فلما فارقه قالأوصني فقال إن استطعت أن تعرف ولا تعرف وتمشي ولا يمشى إليك وتسأل ولا تسئل فافعل وخرجأيوب في سفر فشيعه ناس كثيرون فقال لولا أني أعلم أن الله يعلم من قلبي أني لهذا كارهلخشيت المقت من الله عز وجل وقال معمر عاتبت أيوب على طول قميصه فقال إن الشهرة فيمامضى كانت في طوله وهي اليوم في تشميره وقال بعضهم كنت مع أبي قلابة إذ دخل عليه رجلعليه أكسية فقال إياكم وهذا الحمار الناهق يشير به إلى طلب الشهرة وقال الثوري كانوايكرهون الشهرة من الثياب الجيدة والثياب الرديئة إذ الأبصار تمتد إليهما جميعا وقالرجل لبشر بن الحارث أوصني فقال أخمل ذكرك وطيب مطعمك وكان حوشب يبكي ويقول بلغ اسميمسجد الجامع وقال بشر ما أعرف رجلا أحب أن يعرف إلا ذهب دينه وافتضح وقال أيضا لا يجدحلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس رحمة الله عليه وعليهم أجمعين
بيان فضيلة الخمول
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ربأشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره حديث رب أشعث أغبر ذي طمرينلا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك أخرجه مسلم من حديث أبي هريرةرب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره وللحاكم رب أشعث أغبر ذي طمرين تنبوعنه أعين الناس لو أقسم على الله لأبره وقال صحيح الإسناد ولأبي نعيم في الحلية منحديث أنس ضعيف رب ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالكوهو عند الحاكم نحوه بهذه الزيادة وقال صحيح الإسناد قلت بل ضعيفه منهم البراء بن مالكوقال ابن مسعود قال النبي صلى الله عليه وسلم رب ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على اللهلأبره لو قال اللهم إني أسألك الجنة لأعطاه الجنة ولم يعطه من الدنيا شيئا حديث ابنمسعود رب ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره لو قال اللهم إني أسألك الجنةلأعطاء الجنة ولم يعطه من الدنيا شيئا أخرجه ابن أبي الدنيا ومن طريقه أبو منصور الديلميفي مسند الفردوس بسند ضعيف وقال صلى الله عليه وسلم ألا أدلكم على أهل الجنة كل ضعيفمستضعف لو أقسم على الله لأبره وأهل النار كل متكبر مستكبر جواظ حديث ألا أدلكم علىأهل الجنة كل ضعيف مستضعف الحديث متفق عليه من حديث حارثة بن وهب وقال أبو هريرة قالصلى الله عليه وسلم إن أهل الجنة كل أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له الذين إذا استأذنواعلى الأمراء لم يؤذن لهم وإذا خطبوا النساء لم ينكحوا وإذا قالوا لم ينصت لقولهم حوائجأحدهم تتخلل في صدره لو قسم نوره يوم القيامة على الناس لوسعهم وقال صلى الله عليهوسلم إن من أمتي من لو أتى أحدكم يسأله دينارا لم يعطه إياه ولو سأله درهما لم يعطهإياه ولو سأله فلسا لم يعطه إياه ولو سأل الله الجنة لأعطاه إياها ولو سأله الدنيالم يعطه إياها وما منعها إياه إلا لهوانها عليه رب ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم علىالله لأبره حديث إن من أمتي من لو أتى أحدكم فسأله دينارا لم يعطه إياه الحديث أخرجهالطبراني في الأوسط من حديث ثوبان بإسناد صحيح دون قوله ولو سأله الدنيا لم يعطه إياهاوما منعها إياه إلا لهوانها عليه وروي أن عمر رضي الله عنه دخل المسجد فرأى معاذ بنجبل يبكي عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما يبكيك فقال سمعت رسول اللهصلى الله عليه وسلم يقول إن اليسير من الرياء وإن الله يحب الأتقياء الأخفياء الذينإن غابوا لم يفتقدوا وإن حضروا لم يعرفوا قلوبهم مصابيح الهدى ينجون من كل غبراء مظلمةحديث معاذ بن جبل إن اليسير من الرياء شرك وأن الله يحب الأتقياء الأخفياء الحديث أخرجهالطبراني والحاكم واللفظ له وقال صحيح الإسناد قلت بل ضعيفه فيه عيسى بن عبد الرحمنوهو الزرقي متروك وقال محمد بن سويد قحط أهل المدينة وكان بها رجل صالح لا يؤبه لهملازم لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم هم في دعائهم إذ جاءهم رجل عليه طمران خلقانفصلى ركعتين أوجز فيهما ثم بسط يديه فقال يا رب أقسمت عليك إلا أمطرت علينا الساعةفلم يرد يديه ولم يقطع دعاءه حتى تغشت السماء بالغمام وأمطروا حتى صاح أهل المدينةمن مخافة الغرق فقال يا رب إن كنت تعلم أنهم قد اكتفوا فارفع عنهم وسكن وتبع الرجلصاحبه الذي استسقى حتى عرف منزله ثم بكر عليه فخرج إليه فقال إني أتيتك في حاجة فقالما هي قال تخصني بدعوة قال سبحان الله أنت أنت وتسألني أن أخصك بدعوة ثم قال ما الذيبلغك ما رأيت قال أطعت الله فيما أمرني ونهاني فسألت الله فأعطاني وقال ابن مسعود كونواينابيع العلم مصابيح الهدى أحلاس البيوت سرج الليل جدد القلوب خلقان الثياب تعرفونفي أهل السماء وتخفون في أهل الأرض وقال أبو أمامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلميقول الله تعالى إن أغبط أوليائي عبد مؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من صلاة أحسن عبادة ربهوأطاعه في السر كان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع ثم صبر على ذلك قال ثم نقررسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فقال عجلت منينه وقل تراثه وقلت بواكيه حديث أبيأمامة إن أغبط أوليائي عندي مؤمن خفيف الخاذ الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه بإسنادينضعيفين وقال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أحب عباد الله إلى الله الغرباءقيل ومن الغرباء قال الفارون بدينهم يجتمعون يوم القيامة إلى المسيح عليه السلام وقالالفضيل بن عياض بلغني أن الله تعالى يقول في بعض ما يمن به على عبده ألم أنعم عليكألم أسترك ألم أخمل ذكرك وكان الخليل بن أحمد يقول اللهم اجعلني عندك من أرفع خلقكواجعلني عند نفسي من أوضع خلقك واجعلني عند الناس من أوسط خلقك وقال الثوري وجدت قلبييصلح بمكة والمدينة مع قوم غرباء أصحاب قوت وعناء وقال إبراهيم بن أدهم ما قرت عينييوما في الدنيا قط إلا مرة بت ليلة في بعض مساجد قرى الشام وكان بي البطن فجرني المؤذنصلى الله عليه وسلم برجلي حتى أخرجني من المسجد وقال الفضيل إن قدرت على أن لا تعرففافعل وما عليك أن لا تعرف وما عليك أن لا يثنى عليك وما عليك أن تكون مذموما عند الناسإذا كنت محمودا عند الله تعالى فهذه الآثار والأخبار تعرفك مذمة الشهرة وفضيلة الخمولوإنما المطلوب بالشهرة وانتشار الصيت هو الجاه والمنزلة في القلوب وحب الجاه هو منشأكل فساد فإن قلت فأي شهوة تزيد على شهرة الأنبياء والخلفاء الراشدين وأئمة العلماءفكيف فاتهم فضيلة الخمول فاعلم أن المذموم طلب الشهرة فأما وجودها من جهة الله سبحانهمن غير تكلف من العبد فليس بمذموم نعم فيه فتنة على الضعفاء دون الأقوياء وهم كالغريقالضعيف إذا كان معه جماعة من الغرقى فالأولى به أن لا يعرفه أحد منهم فإنهم يتعلقونبه فيضعف عنهم فيهلك معهم وأما القوي فالأولى أن يعرفه الغرقى ليتعلقوا به فينجيهمويثاب على ذلك
بيان ذم الجاه ومعناه
وقال الله تعالى تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لايريدون علوا في الأرض ولا فسادا جمع بين إرادة الفساد والعلو وبين أن الدار الآخرةللخالي عن الإرادتين جميعا فقال عز وجل ومن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهمأعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ماصنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون وهذا أيضا متناول بعمومه لحب الجاه فإنه أعظم لذةمن لذات الحياة الدنيا وأكثر زينة من زينتها وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حبالمال والجاه ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل حديث المال والجاه ينبتانالنفاق الحديث تقدم في أول هذا الباب ولم أجده وقال صلى الله عليه وسلم ما ذئبان ضاريانأرسلا في زريبة غنم بأسرع إفسادا من حب الشرف والمال في دين الرجل المسلم حديث ما ذئبانضاريان أرسلا في زريبة غنم الحديث تقدم أيضا هناك وقال صلى الله عليه وسلم لعلي كرمالله وجهه إنما هلاك الناس باتباع الهوى وحب الثناء حديث إنما هلاك الناس باتباع الهوىوحب الثناء لم أره بهذا اللفظ وقد تقدم في العلم من حديث أنس ثلاث مهلكات شح مطاع وهوىمتبع الحديث ولأبي منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عباس بسند ضعيف حب الثناءمن الناس يعمي ويصم نسأل الله العفو والعافية بمنه وكرمه بيان معنى الجاه وحقيقته اعلمأن الجاه والمال هما ركنا الدنيا ومعنى المال ملك الأعيان المنتفع بها ومعنى الجاهملك القلوب المطلوب تعظيمها وطاعتها وكما أن الغني هو الذي يملك الدراهم والدنانيرأي يقدر عليهما ليتوصل بهما إلى الأغراض والمقاصد وقضاء الشهوات وسائر حظوظ النفس فكذلكذو الجاه هو الذي يملك قلوب الناس أي يقدر على أن يتصرف فيها ليستعمل بواسطتها أربابهافي أغراضه ومآربه وكما أنه يكتسب الأموال بأنواع من الحرف والصناعات فكذلك يكتسب قلوبالخلق بأنواع من المعاملات ولا تصير القلوب مسخرة إلا بالمعارف والاعتقادات فكل مناعتقد القلب فيه وصفا من أوصاف الكمال انقاد له وتسخر له بحسب قوة اعتقاد القلب وبحسبدرجة ذلك الكمال عنده وليس يشترط أن يكون الوصف كمالا في نفسه بل يكفى أن يكون كمالاعنده وفي اعتقاده وقد يعتقد ما ليس كمالا كمالا ويذعن قلبه للموصوف به انقيادا ضروريابحسب اعتقاده فإن انقياد القلب حال للقلب وأحوال القلوب تابعة لاعتقادات القلوب وعلومهاوتخيلاتها وكما أن محب المال يطلب ملك الأرقاء والعبيد فطالب الجاه يطلب أن يسترق الأحرارويستعبدهم ويملك رقابهم بملك قلوبهم بل الرق الذي يطلبه صاحب الجاه أعظم لأن المالكيملك العبد قهرا والعبد متأب بطبعه ولو خلى ورأيه انسل عن الطاعة وصاحب الجاه يطلبالطاعة طوعا ويبغي أن تكون له الأحرار عبيدا بالطبع والطوع مع الفرح بالعبودية والطاعةله فما يطلبه فوق ما يطلبه مالك الرق بكثير فإذا معنى الجاه قيام المنزلة في قلوب الناسأي اعتقاد القلوب لنعت من نعوت الكمال فيه فيقدر ما يعتقدون من كماله تذعن له قلوبهموبقدر إذعان القلوب تكون قدرته على القلوب وبقدر قدرته على القلوب يكون فرحه وحبه للجاهفهذا هو معنى الجاه وحقيقتة وله ثمرات كالمدح والإطراء فإن المعتقد للكمال لا يسكتعن ذكر ما يعتقده فيثني عليه وكالخدمة والإعانة فإنه لا يبخل ببذل نفسه في طاعته بقدراعتقاده فيكون سخرة له مثل العبد في أغراضه وكالإيثار وترك المنازعة والتعظيم والتوقيربالمفاتحة بالسلام وتسليم الصدر في المحافل والتقديم في جميع المقاصد فهذه آثار تصدرعن قيام الجاه في القلب ومعنى قيام الجاه في القلب اشتمال القلوب على اعتقاد صفات الكمالفي الشخص إما بعلم أو عبادة أو حسن خلق أو نسب أو ولاية أو جمال في صورة أو قوة فيبدن أو شيء مما يعتقده الناس كمالا فإن هذه الأوصاف كلها تعظم محله في القلوب فتكونسببا لقيام الجاه والله تعالى أعلم بيان سبب كون الجاه محبوبا بالطبع حتى لا يخلو عنهقلب إلا بشديد المجاهدة اعلم أن السبب الذي يقتضي كون الذهب والفضة وسائر أنواع الأموالمحبوبا هو بعينه يقتضي كون الجاه محبوبا بل يقتضي أن يكون أحب من المال كما يقتضي أنيكون يكون الذهب أحب من الفضة مهما تساويا في المقدار وهو أنك تعلم أن الدراهم والدنانيرلا غرض في أعيانهما إذ لا تصلح لمطعم ولا مشرب ولا منكح ولا ملبس وإنما هي والحصباءبمثابة واحدة ولكنهما محبوبان لأنهما وسيلة إلى جميع المحاب وذريعة إلى قضاء الشهواتفكذلك الجاه لأن معنى الجاه ملك القلوب وكما أن ملك الذهب والفضة يفيد قدرة يتوصل الإنسانبها إلى سائر أغراضه فكذلك ملك القلوب من الأحرار والقدرة على استسخارها يفيد قدرةعلى التوصل إلى جميع الأغراض فالاشتراك في السبب اقتضى الاشتراك في المحبة وترجيح الجاهعلى المال اقتضى أن يكون الجاه أحب من المال ولملك الجاه ترجيح على ملك المال من ثلاثةأوجه الأول أن التوصل بالجاه إلى المال أيسر من التوصيل بالمال إلى الجاه فالعالم أوالزاهد الذي تقرر له جاه في القلوب لو قصد اكتساب المال تيسر له فإن أموال أرباب القلوبمسخرة للقلوب ومبذولة لمن اعتقد فيه الكمال وأما الرجل الخسيس الذي لا يتصف بصفة كمالإذا وجد كنزا ولم يكن له جاه يحفظ ماله وأراد أن يتوصل بالمال إلى الجاه لم يتيسر لهفإذا الجاه آلة ووسيلة إلى المال فمن ملك الجاه فقد ملك المال ومن ملك المال لم يملكالجاه بكل حال فلذلك صار الجاه أحب الثاني هو أن المال معرض للبلوى والتلف بأن يسرقويغصب ويطمع فيه الملوك والظلمة ويحتاج فيه إلى الحفظة والحراس والخزائن ويتطرق إليهأخطار كثيرة وأما القلوب إذا ملكت فلا تتعرض لهذه الآفات فهي على التحقيق خزائن عتيدةلا يقدر عليها السراق ولا تتناولها أيدي النهاب والغصاب وأثبت الأموال العقار ولا يؤمنفيه الغصب والظلم ولا يستغني عن المراقبة والحفظ وأما خزائن القلوب فهي محفوظة محروسةبأنفسها والجاه في أمن وأمان من الغصب والسرقة فيها نعم إنما تغضب القلوب بالتصريفوتقبيح الحال وتغيير الاعتقاد فيما صدق به من أوصاف الكمال وذلك مما يهون دفعه ولايتيسر على محاولة فعله الثالث أن ملك القلوب يسرى وينمى ويتزايد من غير حاجة إلى تعبومقاساة فإن القلوب إذا أذعنت لشخص واعتقدت كماله بعلم أو عمل أو غيره أفصحت الألسنةلا محالة بما فيها فيصف ما يعتقده لغيره ويقتنص ذلك القلب أيضا له ولهذا المعنى يحبالطبع الصيت وانتشار الذكر لأن ذلك إذا استطار في الأقطار اقتنص القلوب ودعاها إلىالإذعان والتعظيم فلا يزال يسري من واحد إلى واحد ويتزايد وليس له مرد معين وأما المالفمن ملك منه شيئا فهو مالكه ولا يقدر على استنمائه إلا بتعب ومقاساة والجاه أبدا فيالنماء بنفسه ولا مرد لموقعه والمال واقف ولهذا إذا عظم الجاه وانتشر الصيت وانطلقتالألسنة بالثناء استحقرت الأموال في مقابلته فهذه مجامع ترجيحات الجاه على المال وإذافصلت كثرت وجوه الترجيح فإن قلت فالإشكال قائم في المال والجاه جميعا فلا ينبغي أنيحب الإنسان المال والجاه نعم القدر الذي يتوصل به إلى جلب الملاذ ودفع المضار معلومكالمحتاج إلى الملبس والمسكن والمطعم أو كالمبتلى بمرض أو بعقوبة إذا كان لا يتوصلإلى دفع العقوبة عن نفسه إلا بمال أو جاه فحبه للمال والجاه معلوم إذ كل ما لا يتوصلإلى المحبوب إلا به فهو محبوب وفي الطباع أمر عجيب وراء هذا وهو حب جمع الأموال وكنزالكنوز وادخار الذخائر واستكثار الخزائن وراء جميع الحاجات حتى لو كان للعبد واديانمن ذهب لابتغى لهما ثالثا وكذلك يحب الإنسان اتساع الجاه وانتشار الصيت إلى أقاصي البلادالتي يعلم قطعا أنه لا يطؤها ولا يشاهد أصحابها ليعظموه أو ليبروه بمال أو ليعينوهعلى غرض من أغراضه ومع اليأس من ذلك فإنه يلتذ به غاية الالتذاذ وحب ذلك ثابت في الطبعويكاد يظن أن ذلك جهل فإنه حب لما لا فائدة فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة فنقول نعمهذا الحب لا تنفك عنه القلوب وله سببان أحدهما جلي تدركه الكافة والآخر خفي وهو أعظمالسببين ولكنه أدقهما وأخفاهما وأبعدهما عن أفهام الأذكياء فضلا عن الأغنياء وذلك لاستمدادهمن عرق خفي في النفس وطبيعة مستكنة في الطبع لا يكاد يقف عليها إلا الغواصون فأما السببالأول فهو دفع ألم الخوف لأن الشفيق بسوء الظن مولع والإنسان وإن كان مكفيا في الحالفإنه طويل الأمل ويخطر بباله أن المال الذي فيه كفايته ربما يتلف فيحتاج إلى غيره فإذاخطر ذلك بباله هاج الخوف من قلبه ولا يدفع ألم الخوف إلا الأمن الحاصل بوجود مال آخريفزع إليه إن أصابت هذا المال جائحة فهو أبدا لشفقته على نفسه وحبه للحياة يقدر طولالحياة ويقدر هجوم الحاجات ويقدر إمكان تطرق الآفات إلى الأموال ويستشعر الخوف من ذلكفيطلب ما يدفع خوفه وهو كثرة المال حتى إن أصيب بطائفة من ماله استغنى بالآخر وهذاخوف لا يوقف له على مقدار مخصوص من المال فلذلك لم يكن لمثله موقف إلى أن يملك جميعما في الدنيا ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم منهومان لا يشبعان منهوم العلمومنهوم المال حديث منهومان لا يشبعان الحديث أخرجه الطبراني من حديث ابن مسعود بسندضعيف والبزار والطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس بسند لين وقد تقدم ومثل هذه العلةتطرد في حبه قيام المنزلة والجاه في قلوب الأباعد عن وطنه وبلده فإنه لا يخلو عن تقديرسبب يزعجه عن الوطن أو يزعج أولئك عن أوطانهم إلى وطنه ويحتاج إلى الاستعانة بهم ومهماكان ذلك ممكنا ولم يكن احتياجه إليهم مستحيلا إحالة ظاهرة كان للنفس فرح ولذة بقيامالجاه في قلوبهم لما فيه من الأمن من هذا الخوف وأما السبب الثاني وهو الأقوى لأن الروحأمر رباني به وصفه الله تعالى إذ قال سبحانه ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربيأو معنى كونه ربانيا أنه من أسرار علوم المكاشفة ولا رخصة في إظهاره إذا لم يظهره رسولالله صلى الله عليه وسلم حديث أنه صلى الله عليه وسلم لم يظهر سر الروح أخرجه البخاريمن حديث ابن مسعود وقد تقدم ولكنك قبل معرفة ذلك تعلم أن للقلب ميلا إلى صفات بهيميةكالأكل والوقاع وإلى صفات سبعية كالقتل والضرب والإيذاء وإلى صفات شيطانية كالمكر والخديعةوالإغواء وإلى صفات ربوبية كالكبر والعز والتجبر وطلب الاستعلاء وذلك لأنه مركب منأصول مختلفة يطول شرحها وتفصيلها فهو لما فيه من الأمر الرباني يحب الربوبية بالطبعومعنى الربوبية التوحد بالكمال والتفرد بالوجود على سبيل الاستقلال فصار الكمال منصفات الإلهية فصار محبوبا بالطبع للإنسان والكمال بالتفرد بالوجود فإن المشاركة فيالوجود نقص لا محالة فكمال الشمس في أنها موجودة وحدها فلو كان معها شمس أخرى لكانذلك نقصا في حقها إذ لم تكن منفددة بكمال معنى الشمسية والمنفرد بالوجود هو الله تعالىإذ ليس معه موجود سواه فإن ما سواه أثر من آثار قدرته لا قوام له بذاته بل هو قائمبه فلم يكن موجودا معه لأن المعية توجب المساواة في الرتبة والمساواة في الرتبة نقصانفي الكمال بل الكامل من لا نظير له في رتبته وكما أن إشراق نور الشمس في أقطار الآفاقليس نقصانا في الشمس بل هو من جملة كمالها وإنما نقصان الشمس بوجود شمس أخرى تساويهافي الرتبة مع الاستغناء عنها فكذلك وجود كل ما في العالم يرجع إلى إشراق أنوار القدرةفيكون تابعا ولا يكون متبعا فإذن معنى الربوبية التفرد بالوجود وهو الكمال وكل إنسانفإنه بطبعه محب لأن يكون هو المنفرد بالكمال ولذلك قال بعض مشايخ الصوفية ما من إنسانإلا وفي باطنه ما صرح به فرعون من قوله أنا ربكم الأعلى ولكنه ليس يجد له مجالا وهوكما قال فإن العبودية قهر على النفس والربوبية محبوبة بالطبع وذلك للنسبة الربانيةالتي أومأ إليها قوله تعالى قل الروح من أمر ربي ولكن لما عجزت النفس عن درك منتهىالكمال لم تسقط شهوتها للكمال فهي محبة للكمال ومشتهية له وملتذة به لذاته لا لمعنىآخر وراء الكمال وكل موجود فهو محب لذاته ولكمال ذاته ومبغض للهلاك الذي هو عدم ذاتهأو عدم صفات الكمال من ذاته وإنما الكمال بعد أن يسلم التفرد بالوجود في الاستيلاءعلى كل الموجودات فإن أكمل الكمال أن يكون وجود غيرك منك فإن لم يكن منك فأن تكون مستولياعليه فصار الاستيلاء على الكل محبوبا بالطبع لأنه نوع كمال وكل موجود يعرف ذاته فإنهيحب ذاته ويحب كمال ذاته ويلتذ به إلا أن الاستيلاء على الشيء بالقدرة على التأثيرفيه وعلى تغييره بحسب الإرادة وكونه مسخرا لك تردده كيف تشاء فأحب الإنسان أن يكونله استيلاء على كل الأشياء الموجودة معه إلا أن الموجودات منقسمة إلى مالا يقبل التغييرفي نفسه كذات الله تعالى وصفاته وإلى ما يقبل التغيير ولكن لا يستولي عليه قدرة الخلقكالأملاك والكواكب وملكوت السموات ونفوس الملائكة والجن والشياطين وكالجبال والبحاروإلى ما يقبل التغيير بقدرة العبد كالأرض وأجزائها وما عليها من المعادن والنبات والحيوانومن جملتها قلوب الناس فإنها قابلة للتأثير والتغيير مثل أجسادهم وأجساد الحيواناتفإذا انقسمت الموجودات إلى ما يقدر الإنسان على التصرف فيه كالأرضيات وإلى ما لا يقدرعليه كذات الله تعالى والملائكة والسموات أحب الإنسان أن يستولي على السموات بالعلموالإحاطة والاطلاع على أسرارها فإن ذلك نوع استيلاء إذ المعلوم المحاط به كالداخل تحتالعلم والعالم كالمستولي عليه فلذلك أحب أن يعرف الله تعالى والملائكة والأفلاك والكواكبوجميع عجائب السموات وجميع عجائب البحار والجبال وغيرها لأن ذلك نوع استيلاء عليهاوالاستيلاء نوع كمال وهذا يضاهي اشتياق من عجز عن صنعة عجيبة إلى معرفة طريق الصنعةفيها كمن يعجز عن وضع الشطرنج فأنه قد يشتهي أن يعرف اللعب به وأنه كيف وضع وكمن يرىصنعة عجيبة في الهندسة أو الشعبذة أو جر الثقيل أو غيره وهو مستشعر في نفسه بعض العجزوالقصور عنه ولكنه يشتاق إلى معرفة كيفية فهو متألم ببعض العجز متلذذ بكمال العلم إنعلمه وأما القسم الثاني وهو الأرضيات التي يقدر الإنسان عليها فإنه يحب بالطبع أن يستوليعليها بالقدرة على التصرف فيها كيف يريد وهي قسمان أجساد وأرواح أما الأجساد فهي الدراهموالدنانير والأمتعة فيجب أن يكون قادرا عليها يفعل فيها ما شاء من الرفع والوضع والتسليموالمنع فإن ذلك قدرة والقدرة كمال والكمال من صفات الربوبية والربوبية محبوبة بالطبعفلذلك أحب الأموال وإن كان لا يحتاج إليها في ملبسه ومطعمه وفي شهوات نفسه وبذلك طلباسترقاق العبيد واستعباد الأشخاص الأحرار ولو بالقهر والغلبة حتى يتصرف في أجسادهموأشخاصهم بالاستسخار وإن لم يملك قلوبهم فإنها ربما لم تعتقد كماله حتى يصير محبوبالها ويقوم القهر منزلته فيها فإن الحشمة القهرية أيضا لذيذة لما فيها من القدرة القسمالثاني نفوس الآدميين وقلوبهم وهي أنفس ما على وجه الأرض فهو يحب أن يكون له استيلاءوقدرة عليها لتكون مسخرة له متصرفة تحت إشارته وإرادته لما فيه من كمال الاستيلاء والتشبهبصفات الربوبية والقلوب إنما تتسخر الحب ولا تحب إلا باعتقاد الكمال فإن كل كمال محبوبلأن الكمال من الصفات الإلهية والصفات الإلهية كلها محبوبة بالطبع للمعنى الرباني منجملة معاني الإنسان وهو الذي لا يبليه الموت فيعدمه ولا يتسلط عليه التراب فيأكله فإنهمحل الإيمان والمعرفة وهو الواصل إلى لقاء الله تعالى والساعي إليه فإذن معنى الجاهتسخير القلوب ومن تسخرت له القلوب كانت له قدرة واستيلاء عليها والقدرة والاستيلاءكمال وهو من أوصاف الربوبية فإذن محبوب القلب بطبعه الكمال بالعلم والقدرة والمال والجاهمن أسباب القدرة ولا نهاية للمعلومات ولا نهاية للمقدورات وما دام يبقى معلوم أو مقدورفالشوق لا يسكن والنقصان لا يزول ولذلك قال صلى الله عليه وسلم منهومان لا يشبعان فإذنمطلوب القلوب الكمال والكمال بالعلم والقدرة وتفاوت الدرجات فيه غير محصور فسرور كلإنسان ولذته بقدر ما يدركه من الكمال فهذا هو السبب في كون العلم والمال والجاه محبوباوهو أمر وراء كونه محبوبا لأجل التوصل إلى قضاء الشهوات فإن هذه العلة قد تبقى مع سقوطالشهوات بل يحب الإنسان من العلوم ما لا يصلح للتوصل به إلى الأغراض بل ربما يفوت عليهجملة من الأغراض والشهوات ولكن الطبع يتقاضى طلب العلم في جميع العجائب والمشكلات لأنفي العلم استيلاء على المعلوم وهو نوع من الكمال الذي هو من صفات الربوبية فكان محبوبابالطبع إلا أن في حب كمال العلم والقدرة أغاليط لا بد من بيانها إن شاء الله تعالى
بيان الكمالالحقيقي والكمال الوهمي الذي لا حقيقة له قد عرفت أنه لا كمال بعد فواتالتفرد بالوجود إلا في العلم والقدرة ولكن الكمال الحقيقي فيه متلبس بالكمال الوهميوبيانه أن كمال العلم لله تعالى وذلك من ثلاثة أوجه أحدها من حيث كثرة المعلومات وسعتهافإنه محيط بجميع المعلومات فلذلك كلما كانت علوم العبد أكثر كان أقرب إلى الله تعالىالثاني من حيث تعلق العلم بالمعلوم على ما هو به وكون المعلوم مكشوفا به كشفا تامافإن المعلومات مكشوفة لله تعالى بأتم أنواع الكشف على ما هي عليه فلذلك مهما كان علمالعبد أوضح وأيقن وأصدق وأوفق للمعلوم في تفاصيل صفات العلوم كان أقرب إلى الله تعالىالثالث من حيث بقاء العلم أبد الأباد بحيث لا يتغير ولا يزول فإن علم الله تعالى باقلا يتصور أن يتغير فكذلك مهما كان علم العبد بمعلومات لا يقبل التغير والانقلاب كانأقرب إلى الله تعالى والمعلوم قسمان متغيرات وأزليات أما المتغيرات فمثالها العلم بكونزيد في الدار فإنه علم له معلوم ولكنه يتصور أن يخرج زيد من الدار ويبقى اعتقاد كونهفي الدار كما كان فينقلب جهلا فيكون نقصانا لا كمالا فكلما اعتقدت اعتقادا موافقا وتصورأن ينقلب المعتقد فيه كما اعتقدته كنت بصدد أن ينقلب كمالك نقصا ويعود علمك جهلا ويلتحقبهذا المثال جميع متغيرات العالم كعلمك مثلا بارتفاع جبل ومساحة أرض وبعد البلاد وتباعدما بينها من الأميال والفراسخ وسائر ما يذكر في المسالك والممالك وكذلك العلم باللغاتالتي هي اصطلاحات تتغير بتغير الأعصار والأمم والعادات فهذه علوم معلوماتها مثل الزئبقتتغير من حال إلى حال فليس فيه كمال إلا في الحال ولا يبقى كمالا في القلب القسم الثانيهو المعلومات الأزلية وهو جواز الجائزات ووجوب الواجبات واستحالة المستحيلات فإن هذهمعلومات أزلية أبديه إذ لا يستحيل الواجب قط جائزا ولا الجائز محالا ولا المحال واجبافكل هذه الأقسام داخلة في معرفة الله وما يجب له وما يستحيل في صفاته ويجوز في أفعالهفالعلم بالله تعالى وبصفاته وأفعاله وحكمته في ملكوت السموات والأرض وترتيب الدنياوالآخرة وما يتعلق به هو الكمال الحقيقي الذي يقرب من يتصف به من الله تعالى ويبقىكمالا للنفس بعد الموت وتكون هذه المعرفة نور للعارفين بعد الموت يسعى نورهم بين أيديهموبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا أي تكون هذه المعرفة رأس مال يوصل إلى كشف مالم ينكشف في الدنيا كما أن من معه سراج خفي فإنه يجوز أن يصير ذلك سببا لزيادة النوربسراج آخر يقتبس منه فيكمل النور الخفي على سبيل الاستتمام ومن ليس معه أصل السراجفلا مطمع له في ذلك فمن ليس معه أصل معرفة الله تعالى لم يكن له مطمع في هذا النورفيبقى كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها بل كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقهموج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض فإذن لا سعادة إلا في معرفة الله تعالى وأماما عدا ذلك من المعارف فمنها ما لا فائدة له أصلا كمعرفة الشعر وأنساب العرب وغيرهماومنها ما له منفعة في الإعانة على معرفة الله تعالى كمعرفة لغة العرب والتفسير والفقهوالأخبار فإن معرفة لغة العرب تعين على معرفة تفسير القرآن ومعرفة التفسير تعين علىمعرفة ما في القرآن من كيفية العبادات والأعمال التي تفيد تزكية النفس ومعرفة طريقتزكية النفس تفيد استعداد النفس لقبول الهدايا إلى معرفة الله سبحانه وتعالى كما قالتعالى قد أفلح من زكاها وقال عز وجل والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا فتكون جملةهذه المعارف كالوسائل إلى تحقيق معرفة الله تعالى وإنما الكمال في معرفة الله ومعرفةصفاته وأفعاله وينطوي فيه جميع المعارف المحيطة بالموجودات إذ الموجودات كلها من أفعالهفمن عرفها من حيث هي فعل الله تعالى ومن حيث ارتباطها بالقدرة والإرادة والحكمة فهيمن تكملة معرفة الله تعالى وهذا حكم كمال العلم ذكرناه وإن لم يكن لائقا بأحكام الجاهوالرياء ولكن أوردناه لاستيفاء أقسام الكمال وأما القدرة فليس فيها كمال حقيقي للعبدبل للعبد علم حقيقي وليس له قدرة حقيقة وإنما القدرة الحقيقة لله وما يحدث من الأشياءعقيب إرادة العبد وقدرته وحركته فهي حادثة بإحداث الله كما قررناه في كتاب الصبر والشكروكتاب التوكل وفي مواضع شتى من ربع المنجيات فكمال العلم يبقى معه بعد الموت ويوصلهإلى الله تعالى فأما كمال القدرة فلا نعم له كمال من جهة القدرة بالإضافة إلى الحالوهي وسيلة له إلى كمال العلم كسلامة أطرافه وقوة يده للبطش ورجله للمشي وحواسه للإدراكفإن هذه القوة آلة للوصول بها إلى حقيقة كمال العلم وقد يحتاج في استيفاء هذه القوىإلى القدرة بمال والجاه للتوصل به إلى المطعم والمشرب والملبس والمسكن وذلك إلى قدرمعلوم فإن لم يستعمله للوصول به إلى معرفة جلال الله فلا خير فيه البتة إلا من حيثاللذة الحالية التي تنقضي على القرب ومن ظن ذلك كمالا فقد جهل فالخلق أكثرهم هالكونفي غمرة هذا الجهل فإنهم يظنون أن القدرة على الأجساد بقهر الحشمة وعلى أعيان الأموالبسعة الغنى وعلى تعظيم القلوب بسعة الجاه كمال فلما اعتقدوا ذلك أحبوه ولما أحبوه طلبوهولما طلبوه شغلوا به وتهالكوا عليه فنسوا الكمال الحقيقي الذي يوجب القرب من الله تعالىومن ملائكته وهو العلم والحرية أما العلم فما ذكرناه من معرفة الله تعالى وأما الحريةفالخلاص من أسر الشهوات وغموم الدنيا والاستيلاء عليها بالقهر تشبها بالملائكة الذينلا تستفزهم الشهوة ولا يستهويهم الغضب فإن دفع آثار الشهوة والغضب عن النفس من الكمالالذي هو من صفات الملائكة ومن صفات الكمال لله تعالى استحالة التغير والتأثر عليه فمنكان عن التغير والتأثر بالعوارض أبعد كان إلى الله تعالى أقرب وبالملائكة أشبه ومنزلتهعند الله أعظم وهذا كمال ثالث سوى كمال العلم والقدرة وإنما لم نورده في أقسام الكلاملأن حقيقته ترجع إلى عدم ونقصان فإن التغير نقصان إذ هو عبارة عن عدم صفة كائنة وهلاكهاوالهلاك نقص في اللذات وفي صفات الكمال فإذن الكمالات ثلاثة إن عددنا عدم التغير بالشهواتوعدم الانقياد لها كمالا ككمال العلم وكمال الحرية وأعني به عدم العبودية للشهوات وإرادةالأسباب الدنيوية وكمال القدرة للعبد طريق إلىاكتساب كمال العلم وكمال الحرية ولا طريقله إلى اكتساب كمال القدرة الباقية بعد موته إذ قدرته على أعيان الأموال وعلى استسخارالقلوب والأبدان تنقطع بالموت ومعرفته وحريته لا ينعدمان بالموت بل يبقيان كمالا فيهووسيله إلى القرب من الله تعالى فانظر كيف انقلب الجاهلون وانكبوا على وجوههم انكبابالعميان فأقبلوا على طلب كمال القدرة بالجاه والمال وهو الكمال الذي لا يسلم وإن سلمفلا بقاء له وأعرضوا عن كمال الحرية والعلم الذي إذا حصل كان أبديا لا انقطاع له وهؤلاءهم الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا جرم لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرونوهم الذين لم يفهموا قوله تعالى المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحاتخير عند ربك ثوابا وخير أملا فالعلم والحرية هي الباقيات الصالحات التي تبقي كمالافي النفس والمال والجاه هو الذي ينقضي على القرب وهو كما مثله الله تعالى حيث قال إنمامثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض الآية وقال تعالى واضربلهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء إلى قوله فأصبح هشيما تذروه الرياح وكلما تذروه رياح الموت فهو زهرة الحياة الدنيا وكل ما لا يقطعه الموت فهو الباقيات الصالحاتفقد عرفت بهذا أن كمال القدرة بالمال والجاه كمال ظني لا أصل له وأن من قصر الوقت علىطلبه وظنه مقصودا فهو جاهل وإليه أشار أبو الطيب بقوله ومن ينفق الساعات في جمع مالهمخافة فقر فالذي فعل الفقر إلا قدر البلغة منهما إلى الكمال الحقيقي اللهم اجعلنا ممنوفقته للخير وهديته بلطفك
بيان مايحمد من حب الجاه وما يذم مهما عرفت أن معنى الجاه ملك القلوب والقدرةعليها فحكمه حكم ملك الأموال فإنه عرض من أعراض الحياة الدنيا وينقطع بالموت كالمالوالدنيا مزرعة الآخرة فكل ما خلق في الدنيا فيمكن أن يتزود منه للآخرة وكما أنه لابد من أدنى مال لضرورة المطعم والمشرب والملبس فلا بد من أدنى جاه لضرورة المعيشة معالخلق والإنسان كما لا يستغني عن طعام يتناوله له فيجوز أن يحب الطعام أو المال الذييبتاع به الطعام فكذلك لا يخلو عن الحاجة إلى خادم يخدمه ورفيق يعينه وأستاذ يرشدهوسلطان يحرسه ويدفع عنه ظلم الأشرار فحبه لأن يكون له في قلب خادمه من المحل ما يدعوهإلى الخدمة ليس بمذموم وحبه لأن يكون له في قلب رفيقه من المحل ما يحسن به مرافقتهومعاونته ليس بمذموم وحبه لأن يكون له في قلب أستاذه من المحل ما يحسن به إرشاده وتعليمهوالعناية به ليس بمذموم وحبه لأن يكون له من المحل في قلب سلطانه ما يحثه ذلك على دفعالشر عنه ليس بمذموم فإن الجاه وسيلة إلى الأعراض كالمال فلا فرق بينهما إلا أن التحقيقفي هذا يفضي إلى أن لا يكون المال والجاه بأعيانهما محبوبين له بل ينزل ذلك منزلة حبالإنسان أن يكون له في داره بيت ماء لأنه مضطر إليه لقضاء حاجته ويود أن لو استغنىعن قضاء الحاجة حتى يستغني عن بيت الماء فهذا على التحقيق ليس محبا لبيت الماء فكلما يراد للتوصل به إلى محبوب فالمحبوب هو المقصود المتوصل إليه وتدرك التفرقة بمثالآخر وهو أن الرجل قد يحب زوجته من حيث إنه يدفع بها فضلة الشهوة كما يدفع بيت الماءفضلة الطعام ولو كفى مؤنة الشهوة لكان يهجر زوجته كما أنه لو كفى قضاء الحاجة لكانلا يدخل بيت الماء ولا يدور به وقد يحب الإنسان زوجته لذاتها حب العشاق ولو كفى الشهوةلبقي مستصحبا لنكاحها فهذا هو الحب دون الأول وكذلك الجاه والمال وقد يحب كل واحد منهماعلى هذين الوجهين فحبهما لأجل التوصل بهما إلى مهمات البدن غير مذموم وحبهما لأعيانهمافيما يجاوز ضرورة البدن وحاجته مذموم ولكنه لا يوصف صاحبه بالفسق والعصيان ما لم يحملالحب على مباشرة معصية وما يتوصل به إلى اكتساب بكذب وخداع وارتكاب محظور وما لم يتوصلإلى اكتسابه بعبادة فإن التوصل إلى الجاه والمال بالعبادة جناية على الدين وهو حراموإليه يرجع معنى الرياء المحظور كما سيأتي فإن قلت طلبه المنزلة والجاه في قلب أستاذهوخادمه ورفيقه وسلطانه ومن يرتبط به أمره مباح على الإطلاق كيفما كان أو يباح إلى حدمخصوص على وجه مخصوص فأقول يطلب ذلك على ثلاثة أوجه وجهان مباحان ووجه محظور أما الوجهالمحظور فهو أن يطلب قيام المنزلة في قلوبهم باعتقادهم فيه صفة وهو منفك عنها مثل العلموالورع والنسب فيظهر لهم أنه علوي أو عالم أو ورع وهو لا يكون كذلك فهذا حرام لأنهكذب وتلبيس إما بالقول أو بالمعاملة أما أحد المباحين فهو أن يطلب المنزلة بصفة هومتصف بها كقول يوسف صلى الله عليه وسلم فيما أخبر عنه الرب تعالى اجعلني على خزائنالأرض إني حفيظ عليم فإنه طلب المنزلة في قلبه بكونه حفيظا عليما وكان محتاجا إليهوكان صادقا فيه والثاني أن يطلب إخفاء عيب من عيوبه ومعصية من معاصيه حتى لا يعلم فلاتزول منزلته به فهذا أيضا مباح لأن حفظ الستر على القبائح جائز ولا يجوز هتك الستروإظهار القبيح وهذا ليس فيه تلبيس بل هو سد لطريق العلم بما لا فائدة في العلم به كالذييخفي عن السلطان أنه يشرب الخمر ولا يلقي إليه أنه ورع فإن قوله إني ورع تلبيس وعدمإقراره بالشرب لا يوجب اعتقاد الورع بل يمنع العلم بالشرب ومن جملة المحظورات تحسينالصلاة بين يديه ليحسن فيه اعتقاده فإن ذلك رياء وهو ملبس إذ يخيل إليه أنه من المخلصينالخاشعين لله وهو مراء بما يفعله فكيف يكون مخلصا فطلب الجاه بهذا الطريق حرام وكذابكل معصية وذلك يجري مجرى اكتساب المال الحرام من غير فرق وكما لا يجوز له أن يتملكمال غيره بتلبيس في عوض أو غيره فلا يجوز له أن يتملك قلبه بتزوير وخداع فإن ملك القلوبأعظم من ملك الأموال بيان السبب في حب المدح والثناء وارتياح النفس به وميل الطبع إليهوبغضها للذم ونفرتها منه اعلم أن لحب المدح والتذاذ القلب به أربعة أسباب السبب الأولوهو الأقوى شعور النفس بالكمال فإنا بينا أن الكمال محبوب وكل محبوب فإدراكه لذيذ فمهماشعرت النفس بكمالها ارتاحت واعتزت وتلذذت والمدح يشعر نفس الممدوح بكمالها فإن الوصفالذي به مدح لا يخلو إما أن يكون جليا ظاهرا أو يكون مشكوكا فيه فإن كان جليا ظاهرامحسوسا كانت اللذة به أقل ولكنه لا يخلو عن لذة كثنائه عليه بأنه طويل القامة أبيضاللون فإن هذا نوع كمال ولكن النفس تغفل عنه فتخلو عن لذته فإذا استشعرته لم يخل حدوثالشعور عن حدوث لذة وإن كان ذلك الوصف مما يتطرق إليه الشك فاللذة فيه أعظم كالثناءعليه بكمال العلم أو كمال الورع أو بالحسن المطلق فإن الإنسان ربما يكون شاكا في كمالحسنه وفي كمال علمه وكمال ورعه ويكون مشتاقا إلى زوال هذا الشك بأن يصير مستيقنا لكونهعديم النظير في هذه الأمور إذ تطمئن نفسه إليه فإذا ذكره غيره أورث ذلك طمأنينه وثقةباستشعار ذلك الكمال فتعظم لذاته وإنما تعظم اللذة بهذه العلة مهما صدر الثناء من بصيربهذه الصفات خبير بها لا يجازف في القول إلا عن تحقيق ذلك كفرح التلميذ بثناء أستاذهعليه بالكياسة والذكاء وغزارة الفضل فإنه في غاية اللذة وإن صدر ممن يجازف في الكلامأو لا يكون بصيرا بذلك الوصف ضعفت اللذة وبهذه العلة يبغض الذم أيضا ويكرهه لأنه يشعرهبنقصان نفسه والنقصان ضد الكمال المحبوب فهو ممقوت الشعور به مؤلم ولذلك يعظم الألمإذا صدر الذم من بصير موثوق به كما ذكرناه في المدح السبب الثاني أن المدح يدل علىأن قلب المادح مملوك للممدوح وأنه مريد له ومعتقد فيه ومسخر تحت مشيئته وملك القلوبمحبوب والشعور بحصوله لذيذ وبهذه العلة تعظم اللذة مهما صدر الثناء ممن تتسع قدرتهوينتفع باقتناص قلبه كالملوك والأكابر ويضعف مهما كان المادح ممن لا يؤبه له ولا يقدرعلى شيء فإن القدرة عليه بملك قلبه قدرة على أمر حقير فلا يدل المدح إلا على قدرة قاصرةوبهذه العلة أيضا يكره الذم ويتألم به القلب وإذا كان من الأكابر كانت نكايته أعظملأن الفائت به أعظم السبب الثالث أن ثناء المثني ومدح المادح سبب لاصطياد قلب كل منيسمعه لا سيما إذا كان ذلك ممن يلتفت إلى قوله ويعتد بثنائه وهذا مختص بثناء يقع علىالملأ فلا جرم كلما كان الجمع أكثر والمثني أجدر بأن يلتفت إلى قوله كان المدح ألذوالذم أشد على النفس السبب الرابع أن المدح يدل على حشمة الممدوح واضطرار المادح إلىإطلاق اللسان بالثناء على الممدوح إما عن طوع وإما عن قهر فإن الحشمة أيضا لذيذة لمافيها من القهر والقدرة وهذه اللذة تحصل وإن كان المادح لا يعتقد في الباطن ما مدح بهولكن كونه مضطرا إلى ذكره نوع قهر واستيلاء عليه فلا جرم تكون لذته بقدر تمنع المادحوقوته فتكون لذة ثناء القوي الممتنع عن التواضع بالثناء أشد فهذه الأسباب الأربعة قدتجمع في مدح مادح واحد فيعظم بها الالتذاذ وقد تفترق فتنقص اللذة بها أما العلة الأولىوهي استشعار الكمال فتندفع بأن يعلم الممدوح أنه غير صادق في قوله كما إذا مدح بأنهنسيب أو سخي أو عالم يعلم أو متورع عن المحظورات وهو يعلم من نفسه ضد ذلك فتزول اللذةالتي سببها استشعار الكمال وتبقى لذة الاستيلاء على قلبه وعلى لسانه وبقية اللذات فإنكان يعلم أن المادح ليس يعتقد ما يقوله ويعلم خلوه عن هذه الصفة بطلب اللذة الثانيةوهو استيلاؤه على قلبه وتبقى لذة الاستيلاء والحشمة على اضطرار لسانه إلى النطق بالثناءفإن لم يكن ذلك عن خوف بل كان بطريق اللعب بطلب اللذات كلها فلم يكن فيه أصلا لذة لفواتالأسباب الثلاثة فهذا ما يكشف الغطاء عن علة التذاذ النفس بالمدح وتألمها بسبب الذموإنما ذكرنا ذلك ليعرف طريق العلاج لحب الجاه وحب المحمدة وخوف المذمة فإن ما لا يعرفسببه لا يمكن معالجته إذ العلاج عبارة عن حل أسباب المرض والله الموفق بكرمه ولطفهوصلى الله على كل عبد مصطفى بيان علاج حب الجاه اعلم أن من غلب على قلبه حب الجاه صارمقصور الهم على مراعاة الخلق مشغوفا بالتودد إليهم والمراءات لأجلهم ولا يزال في أقوالهوأفعاله ملتفتا إلى ما يعظم منزلته عندهم وذلك بذر النفاق وأصل الفساد ويجر ذلك لامحالة إلى التساهل في العبادات والمراءاة بها وإلى اقتحام المحظورات للتوصل إلى اقتناصالقلوب ولذلك شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حب الشرف والمال وإفسادهما للدين بذئبينضاريين وقال صلى الله عليه وسلم إنه ينبت النفاق كما ينبت الماء البقل إذ النفاق هومخالفة الظاهر للباطن بالقول أو الفعل وكل من طلب المنزلة في قلوب الناس فيضطر إلىالنفاق معهم وإلى التظاهر بخصال حميدة هو خال عنها وذلك هو عين النفاق فحب الجاه إذامن المهلكات فيجب علاجه وإزالته عن القلب فإن طبع جبل عليه القلب كما جبل على حب المالوعلاجه مركب من علم وعمل أما العلم فهو أن يعلم السبب الذي لأجله أحب الجاه وهو كمالالقدرة على أشخاص الناس وعلى قلوبهم وقد بينا أن ذلك إن صفا وسلم فآخره الموت فليسهو من الباقيات الصالحات بل لو سجد لك كل من على بسيط الأرض من المشرق إلى المغرب فإلىخمسين سنة لا يبقى الساجد ولا المسجود له ويكون حالك كحال من مات قبلك من ذوي الجاهمع المتواضعين له فهذا لا ينبغي أن يترك به الدين الذي هو الحياة الأبدية التي لا انقطاعلها ومن فهم الكمال الحقيقي والكمال الوهمي كما سبق صغر الجاه في عينه إلا أن ذلك إنمايصغر في عين من ينظر إلى الآخرة كأنه يشاهدها ويستحقر العاجلة ويكون الموت كالحاصلعنده ويكون حاله كحال الحسن البصري حين كتب إلى عمر بن عبد العزيز أما بعد فكأنك بآخرمن كتب عليه الموت قد مات فانظر كيف مد نظره نحو المستقبل وقدره كائنا وكذلك حال عمربن عبد العزيز حين كتب في جوابه أما بعد فكأنك بالدنيا لم تكن وكأنك بالآخرة لم تزلفهؤلاء كان التفاتهم إلى العاقبة فكان عملهم لها بالتقوى إذ علموا أن العاقبة للمتقينفاستحقروا الجاه والمال في الدنيا وأبصار أكثر الخلق ضعيفة مقصورة على العاجلة التيلا يمتد نورها إلى مشاهدة العواقب ولذلك قال تعالى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرةخير وأبقى وقال عز وجل كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة فمن هذا حده فينبغي أن يعالجقلبه من حب الجاه بالعلم بالآفات العاجلة وهو أن يتفكر في الأخطار التي يستهدف لهاأرباب الجاه في الدنيا فإن كل ذي جاه محسود ومقصود بالإيذاء وخائف على الدوام على جاههومحترز من أن تتغير منزلته في القلوب والقلوب أشد تغيرا من القدر في غليانها وهي مترددةبين الإقبال والإعراض فكل ما يبنى على قلوب الخلق يضاهي ما يبنى على أمواج البحر فإنهلا ثبات له والاشتغال بمراعاة القلوب وحفظ الجاه ودفع كيد الحساد ومنع أذى الأعداءكل ذلك غموم عاجلة ومكدرة للذة الجاه فلا يفي في الدنيا مرجوها بمخوفها فضلا عما يفوتفي الآخرة فبهذا ينبغي أن تعالج البصيرة الضعيفة وأما من نفذت بصيرته وقوي إيمانه فلايلتفت إلى الدنيا فهذا هو العلاج من حيث العلم وأما من حيث العمل فإسقاط الجاه علىقلوب الخلق بمباشرة أفعال يلام عليها حتى يسقط من أعين الخلق وتفارقه لذه القبول ويأنسبالخمول ويرد الخلق ويقنع بالقبول من الخالق وهذا هو مذهب الملامتية إذ اقتحموا الفواحشفي صورتها ليسقطوا أنفسهم من أعين الناس فيسلموا من آفة الجاه وهذا غير جائز لمن يقتدىبه فإنه يوهن الدين في قلوب المسلمين وأما الذي لا يقتدى به فلا يجوز له أن يقدم علىمحظور لأجل ذلك بل له أن يفعل من المباحات ما يسقط قدره عند الناس كما روي أن بعض الملوكقصد بعض الزهاد فلما علم بقربه منه استدعى طعاما وبقلا وأخذ يأكل بشره ويعظم اللقمةفلما نظر إليه الملك سقط من عينه وانصرف فقال الزاهد الحمد لله الذي صرفك عني ومنهممن شرب شرابا حلالا في قدح لونه لون الخمر حتى يظن به أنه يشرب الخمر فيسقط من أعينالناس وهذا في جوازه نظر من حيث الفقه إلا أن أرباب الأحوال ربما يعالجون أنفسهم بمالا يفتي به الفقيه مهما رأوا إصلاح قلوبهم فيه ثم يتداركون ما فرط منهم فيه من صورةالتقصير كما فعل بعضهم فإنه عرف بالزهد وأقبل الناس عليه فدخل حماما ولبس ثياب غيرهوخرج فوقف في الطريق حتى عرفوه فأخذوه وضربوه واستردوا منه الثياب وقالوا إنه طراروهجروه وأقوى الطرق في قطع الجاه الاعتزال عن الناس والهجرة إلى موضع الخمول فإن المعتزلفي بيته في البلد الذي هو به مشهور لا يخلو عن حب المنزلة التي ترسخ له في القلوب بسببعزلته فإنه ربما يظن أنه ليس محبا لذلك الجاه وهو مغرور وإنما سكنت نفسه لأنها قد ظفرتبمقصودها ولو تغير الناس عما اعتقدوه فيه فذموه أو نسبوه إلى أمر غير لائق به جزعتنفسه وتألمت وربما توصلت إلى الاعتذار عن ذلك وإماطة ذلك الغبار عن قلوبهم وربما يحتاجفي إزالة ذلك عن قلوبهم إلى كذب وتلبيس ولا يبالي به وبه ويتبين بعد أنه محب للجاهوالمنزلة ومن أحب الجاه والمنزلة فهو كمن أحب المال بل هو شر منه فإن فتنة الجاه أعظمولا يمكنه أن لا يحب المنزلة في قلوب الناس ما دام يطمع في الناس فإذا أحرز قوته منكسبه أو من جهة أخرى وقطع طمعه عن الناس رأسا أصبح الناس كلهم عنده كالأرذال فلا يباليأكان له منزلة في قلوبهم أم لم يكن كما لا يبالي بما في قلوب الذين هم منه في أقصىالمشرق لأنه لا يراهم ولا يطمع فيهم ولا يقطع الطمع عن الناس إلا بالقناعة فمن قنعاستغنى عن الناس وإذا استغنى لم يشتغل قلبه بالناس ولم يكن لقيام منزلته في القلوبعنده وزن ولا يتم ترك الجاه إلا بالقناعة وقطع الطمع ويستعين على جميع ذلك بالأخبارالواردة في ذم الجاه ومدح الخمول والذل مثل قولهم المؤمن لا يخلو من ذلة أو قلة أوعلة وينظر في أحوال السلف وإيثارهم للذل على العز ورغبتهم في ثواب الآخرة رضي اللهعنهم أجمعين بيان وجه العلاج لحب المدح وكراهة الذم اعلم أن أكبر الناس إنما هلكوابخوف مذمة الناس وحب مدحهم فصار حركاتهم كلها موقوفة على ما يوافق رضا الناس رجاء للمدحوخوفا من الذم وذلك من المهلكات فيجب معالجته وطريقة ملاحظة الأسباب التي لأجلها يحبالمدح ويكره الذم أما السبب الأول فهو استشعار الكمال بسبب قول المادح فطريقك فيه أنترجع إلى عقلك وتقول لنفسك هذه الصفة التي يمدحك بها أنت متصف بها أم لا فإن كنت متصفابها فهي إما صفة تستحق بها المدح كالعلم والورع وإما صفة لا تستحق المدح كالثروة والجاهوالأعراض الدنيوية فإن كانت من الأعراض الدنيوية فالفرح بها كالفرح بنبات الأرض الذييصير على القرب هشيما تذروه الرياح وهذا من قلة العقل بل العاقل يقول كما قال المتنبيأشد الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه انتقالا فلا ينبغي أن يفرح الإنسان بعروض الدنياوإن فرح فلا ينبغي أن يفرح بمدح المادح بها بوجودها والمدح ليس هو سبب وجودها وإن كانتالصفة مما يستحق الفرح بها كالعلم والورع فينبغي أن لا يفرح بها لأن الخاتمة غير معلومةوهذا إنما يقتضي الفرح لأنه يقرب عند الله زلفى وخطر الخاتمة غير معلومة وهذا إنمايقتضى الفرح لأنه يقرب عند الله زلفى وخطر الخاتمةباق ففي الخوف من سوء الخاتمة شغلعن الفرح بكل ما في الدنيا بل الدنيا دار أحزان وغموم لا دار فرح وسرور ثم إن كنت تفرحبها على رجاء حسن الخاتمة فينبغي أن يكون فرحك بفضل الله عليك بالعلم والتقوى لا بمدحالمادح فإن اللذة في استشعار الكمال والكمال موجود من فضل الله لا من المدح والمدحتابع له فلا ينبغي أن تفرح بالمدح والمدح لا يزيدك فضلا وإن كانت الصفة التي مدحت بهاأنت خال عنها ففرحك بالمدح غاية الجنون ومثالك مثال من يهزأ به إنسان ويقول سبحان اللهما أكثر العطر الذي في أحشائه وما أطيب الروائح التي تفوح منه إذا قضى حاجته وهو يعلمما تشتمل عليه أمعاؤه من الأقذار والأنتان ثم يفرح بذلك فكذلك إذا أثنوا عليك بالصلاحوالورع ففرحت به والله مطلع على خبائث باطنك وغوائل سريرتك وأقذار صفاتك كان ذلك منغاية الجهل فإذا المادح إن صدق فليكن فرحك بصفتك التي هي من فضل الله عليك وإن كذبفينبغي أن يغمك ذلك ولا تفرح به وأما السبب الثاني وهو دلالة المدح على تسخير قلب المادحوكونه سببا لتسخير قلب آخر فهذا يرجع إلى حب الجاه والمنزلة في القلوب وقد سبق وجهمعالجته وذلك بقطع الطمع عن الناس وطلب المنزلة عند الله وبأن تعلم أن طلبك المنزلةفي قلوب الناس وفرحك به يسقط منزلتك عند الله فكيف تفرح به وأما السبب الثالث وهو الحشمةالتي اضطرت المادح إلى المدح فهو أيضا يرجع إلى قدرة عارضة لإثبات لها ولا تستحق الفرحبل ينبغي أن يغمك مدح المادح وتكرهه وتغضب به كما نقل ذلك عن السلف لأن آفة المدح علىالممدوح عظيمة كما ذكرناه في كتاب آفات اللسان قال بعض السلف من فرح بمدح فقد مكن الشيطانمن أن يدخل في بطنه وقال بعضهم إذا قيل لك نعم الرجل أنت فكان أحب إليك من أن يقاللك بئس الرجل أنت فأنت والله بئس الرجل وروي في بعض الأخبار فإن صح فهو قاصم للظهورأن رجلا أثنى على رجل خيرا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لو كان صاحبك حاضرافرضي الذي قلت فمات على ذلك دخل النار حديث أن رجلا أثنى على رجل خيرا فقال لو كانصاحبك حاضرا فرضي الذي قلت ومات على ذلك دخل النار لم أجد له أصلا وقال صلى الله عليهوسلم مرة للمادح ويحك قصمت ظهره لو سمعك ما أفلح إلى يوم القيامة حديث ويحك قطعت ظهرهالحديث قاله للمادح تقدم وقال صلى الله عليه وسلم ألا لا تمادحوا وإذا رأيتم المادحينفاحثوا في وجوههم التراب حديث ألا لا تمادحوا وإذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههمالتراب تقدم دون قوله ألا لا تمادحوا فلهذا كان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين علىوجل عظيم من المدح وفتنته وما يدخل على القلب من السرور العظيم به حتى إن بعض الخلفاءالراشدين سأل رجلا عن شيء فقال أنت يا أمير المؤمنين خير مني وأعلم فغضب وقال إني لمآمرك بأن تزكيني وقيل لبعض الصحابة لا يزال الناس بخير ما أبقاك الله فغضب وقال إنيلأحسبك عراقيا وقال بعضهم لما مدح اللهم إن عبدك تقرب إلي بمقتك فأشهدك على مقته وإنماكرهوا المدح خيفة أن يفرحوا بمدح الخلق وهم ممقوتون عند الخالق فكان اشتغال قلوبهمبحالهم عند الله تعالى يبغض إليهم مدح الخلق لأن الممدوح هو المقرب عند الله والمذمومبالحقيقة هو المبعد من الله الملقى في النار مع الأشرار فهذا الممدوح إن كان عند اللهمن أهل النار فما أعظم جهله إذا فرح بمدح غيره وإن كان من أهل الجنة فلا ينبغي أن يفرحإلا بفضل الله تعالى وثنائه عليه إذ ليس أمره بيد الخلق ومهما علم أن الأرزاق والآجالبيد الله تعالى قل التفاته إلى مدح الخلق وذمهم وسقط من قلبه حب المدح واشتغل بما يهمهمن أمر دينه والله الموفق للصواب برحمته بيان علاج كراهة الذم قد سبق أن العلة في كراهةالذم هو ضد العلة في حب المدح فعلاجه أيضا يفهم منه والقول الوجيز فيه أن من ذمك لايخلو من ثلاثة أحوال إما أن يكون قد صدق فيما قال وقصد به النصح والشفقة وإما أن يكونصادقا ولكن قصده الإيذاء والتعنت وإما أن يكون كاذبا فإن كان صادقا وقصده النصح فلاينبغي أن تذمه وتغضب عليه وتحقد بسببه بل ينبغي أن تتقلد منته فإن من أهدى إليك عيوبكفقد أرشدك إلى المهلك حتى تتقيه فينبغي أن تفرح به وتشتغل بإزالة الصفة المذمومة عننفسك إن قدرت عليها فأما اغتمامك بسببه وكراهتك له وذمك إياه فإنه غاية الجهل وإن كانقصده التعنت فأنت قد انتفعت بقوله إذ أرشدك إلى عيبك إن كنت جاهلا به وأذكرك عيبك إنكنت غافلا عنه أو قبحه في عينك لينبعث حرصك على إزالته إن كنت قد استحسنته وكل ذلكأسباب سعادتك وقد استفدته منه فاشتغل بطلب السعادة فقد أتيح لك أسبابها بسبب ما سمعتهمن المذمة فمهما قصدت الدخول على ملك وثوبك ملوث بالعذرة وأنت لا تدري ولو دخلت عليهكذلك لخفت أن يحز رقبتك لتلويثك مجلسه بالعذرة فقال قائل أيها الملوث بالعذرة طهر نفسكفينبغي أن تفرح به لأن تنبيهك بقوله غنيمة وجميع مساوي الأخلاق مهلكة في الآخرة والإنسانإنما يعرفها من قول أعدائه فينبغي أن يغتنمه وأما قصد العدو التعنت فجناية منه علىدين نفسه وهو نعمة منه عليك فلم تغضب عليه بقول انتفعت به أنت وتضرر هو به الحالة الثالثةأن يفتري عليك بما أنت بريء منه عند الله تعالى فينبغي أن لا تكره ذلك ولا تشتغل بذمهبل تتفكر في ثلاثة أمور أحدها أنك إن خلوت من ذلك العيب فلا تخلو عن أمثاله وأشباههوما ستره الله من عيوبك أكثر فاشكر الله تعالى إذ لم يطلعه على عيوبك ودفعه عنك بذكرما أنت بريء عنه والثاني أن ذلك كفارات لبقية مساويك وذنوبك فكأنه رماك بعيب أنت بريءمنه وطهرك من ذنوب أنت ملوث بها وكل من اغتابك فقد أهدى إليك حسناته وكل من مدحك فقدقطع ظهرك فما بالك تفرح بقطع الظهر وتحزن لهدايا الحسنات التي تقربك إلى الله تعالىوأنت تزعم أنك تحب القرب من الله وأما الثالث فهو أن المسكين قد جنى على دينه حتى سقطمن عين الله وأهلك نفسه بافترائه وتعرض لعقابه الأليم فلا ينبغي أن تغضب عليه مع غضبالله عليه فتشمت به الشيطان وتقول اللهم أهلكه بل ينبغي أن تقول اللهم أصلحه اللهمتب عليه اللهم ارحمه كما قال صلى الله عليه وسلم اللهم اغفر لقومي اللهم اهد قومي فإنهملا يعلمون حديث اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون قاله لما ضربه قومه أخرجه البيهقيفي دلائل النبوة وقد تقدم والحديث في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قاله حكاية عننبي من الأنبياء حين ضربه قومه لما أن كسروا ثنيته وشجوا وجهه وقتلوا عمه حمزة يومأحد ودعا إبراهيم بن أدهم لمن شج رأسه بالمغفرة فقيل له في ذلك فقال علمت أني مأجوربسببه وما نالني منه إلا خير فلا أرضى أن يكون هو معاقبا بسببي ومما يهون عليك كراهةالمذمة قطع الطمع فإن من استغنيت عنه مهما ذمك لم يعظم أثر ذلك في قلبه وأصل الدينالقناعة وبها ينقطع الطمع عن المال والجاه وما دام الطمع قائما كان حب الجاه والمدحفي قلب من طمعت فيه غالبا وكانت همتك إلى تحصيل المنزلة في قلبه مصروفة ولا ينال ذلكإلا بهدم الدين فلا ينبغي أن يطمع طالب المال والجاه ومحب المدح ومبغض الذم في سلامةدينه فإن ذلك بعيد جدا بيان اختلاف أحوال الناس في المدح والذم اعلم أن للناس أربعةأحوال بالإضافة إلى الذام والمادح الحالة الأولى أن يفرح بالمدح ويشكر المادح ويغضبمن الذم ويحقد على الذام ويكافئه أو يحب مكافأته وهذا حال أكثر الخلق وهو غاية درجاتالمعصية في هذا الباب الحالة الثانية أن يمتعض في الباطن على الذام ولكن يمسك لسانهوجوارحه عن مكافأته ويفرح باطنه ويرتاح للمادح ولكن يحفظ ظاهره عن إظهار السرور وهذامن النقصان إلا أنه بالإضافة إلى ما قبله كمال الحالة الثالثة وهي أول درجات الكمالأن يستوي عنده ذامه ومادحه فلا تغمه المذمة ولا تسره استثقالا وهذا قد يظنه بعض العبادبنفسه ويكون مغرورا إن لم يمتحن نفسه بعلاماته وعلاماته أن لا يجد في نفسه استثقالاللذام عند تطويله الجلوس عنده أكثر مما يجده في المادح وأن لا يجد في نفسه زيادة هزةونشاط في قضاء حوائج المادح فوق ما يجده في قضاء حاجة الذام وأن لا يكون انقطاع الذامعن مجلسه أهون عليه من انقطاع المادح وأن لا يكون موت المادح المطري له أشد نكاية فيقلبه من موت الذام وأن لا يكون غمه بمصيبة المادح وما يناله من أعدائه أكثر مما يكونبمصيبة الذام وأن لا تكون زلة المادح أخف على قلبه وفي عينه من زلة الذام فمهما خفالذام على قلبه كما خف المادح واستويا من كل وجه فقد نال هذه الرتبة وما أبعد ذلك وماأشده على القلوب وأكثر العباد فرحهم بمدح الناس لهم مستبطن في قلوبهم وهم لا يشعرونحيث لا يمتحنون أنفسهم بهذه العلامات وربما شعر العابد بميل قلبه إلى المادح دون الذاموالشيطان يحسن له ذلك ويقول الذام قد عصى الله بمذمتك والمادح قد أطاع الله بمدحك فكيفتسوي بينهما وإنما استثقالك للذام من الدين المحض وهنا محض التلبيس فإن العابد لو تفكرعلم أن في الناس من ارتكب كبائر المعاصي أكثر مما ارتكب الذام في مذمته ثم إنه لا يستثقلهمولا ينفر عنهم ويعلم أن المادح الذي مدح لا يخلو عن مذمة غيره ولا يجد في نفسه نفرةعنه بمذمة غيره كما يجد لمذمة نفسه والمذمة من حيث إنها معصية لا تختلف بأن يكون هوالمذموم أو غيره فإذا العابد المغرور لنفسه يغضب ولهواه يمتعض ثم إن الشيطان يخيل إليهأنه من الدين حتى يعتل على الله بهواه فيزيده ذلك بعدا من الله ومن لم يطلع على مكايدالشيطان وآفات النفوس فأكثر عباداته تعب ضائع يفوت عليه الدنيا ويخسره في الآخرة وفيهمقال الله تعالى قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهميحسبون أنهم يحسنون صنعا الحالة الرابعة وهي الصدق في العبادة أن يكره المدح ويمقتالمادح إذا يعلم أنه فتنة عليه قاصمة للظهر مضرة له في الدين ويحب الذام إذ يعلم أنهمهد إليه عيبه ومرشد له إلى مهمه ومهد إليه حسناته فقد قال صلى الله عليه وسلم رأسالتواضع أن تكره أن تذكر بالبر والتقوى حديث رأس التواضع أن يكره أن يذكر بالبر والتقوىلم أجد له أصلا وقد روي في بعض الأخبار ما هو قاصم لظهور أمثالنا إن صح إذ روي أنهصلى الله عليه وسلم قال ويل للصائم وويل للقائم وويل لصاحب الصوف إلا من فقيل يا رسولالله إلا من فقال إلا من تنزهت نفسه عن الدنيا وأبغض المدحة واستحب المذمة حديث ويلللصائم وويل للقائم وويل لصاحب الصوف الحديث لم أجده هكذا وذكر صاحب الفردوس من حديثأنس ويل لمن لبس الصوف فخالف فعله قوله ولم يخرجه ولد في مسنده وهذا شديد جدا وغايةأمثالنا الطمع في الحالة الثانية وهو أن يضمر الفرح والكراهة على الذام والمادح ولايظهر ذلك بالقول والعمل فأما الحالة الثالثة وهي التسوية بين المادح والذام فلسنا نطمعفيها ثم إن طالبنا أنفسنا بعلامة الحالة الثانية فإنها لا تفي بها لأنه لا بد وأن تتسارعإلى إكرام المادح وقضاء حاجاته وتتثاقل على إكرام الذام والثناء عليه وقضاء حوائجهولا نقدر على أن نسوي بينهما في الفعل الظاهر كما لا نقدر عليه في سريرة القلب ومنقدر على التسوية بين المادح والذام في ظاهر الفعل فهو جدير بأن يتخذ قدوة في هذا الزمانإن وجد فإنه الكبريت الأحمر يتحدث الناس به ولا يرى فكيف بما بعده من المرتبتين وكلواحدة من هذه الرتب أيضا فيها درجات أما الدرجات في المدح فهو أن من الناس من يتمنىالمدحة والثناء وانتشار الصيت فيتوصل إلى نيل ذلك بكل ما يمكن حتى يرائي بالعباداتولا يبالي بمقارفة المحظورات لاستمالة قلوب الناس واستنطاق ألسنتهم بالمدح وهذا منالهالكين ومنهم من يريد ذلك ويطلبه بالمباحات ولا يطلبه بالعبادات ولا يباشر المحظوراتوهذا على شرف جرف هار فإن حدود الكلام الذي يستميل به القلوب وحدود الأعمال لا يمكنهأن يضبطها فيوشك أن يقع فيما لا يحل لنيل الحمد فهو قريب من الهالكين جدا ومنهم منلا يريد المدحة ولا يسعى لطلبها ولكن إذا مدح سبق السرور إلى قلبه فإذا لم يقابل ذلكبالمجاهدة ولم يتكلف الكراهية فهو قريب من أن يستجره فرط السرور إلى الرتبة التي قبلهاوإن جاهد نفسه في ذلك وكلف قلبه الكراهية وبغض السرور إليه بالتفكر في آفات المدح فهوفي خطر المجاهدة فتارة تكون اليد له وتارة تكون عليه ومنهم من إذا سمع المدح لم يسربه ولم يغنم به ولم يؤثر فيه وهذا على خير وإن كان قد بقي عليه بقية من الإخلاص ومنهممن يكره المدح إذا سمعه ولكن لا ينتهي به إلى أن يغضب على المادح وينكر عليه وأقصىدرجاته أن يكره ويغضب ويظهر الغضب وهو صادق فيه لا أن يظهر الغضب وقلبه محب له فإنذلك عين النفاق لأنه يريد أن يظهر من نفسه الإخلاص والصدق وهو مفلس عنه وكذلك بالضدمن هذا تتفاوت الأحوال في حق الذام وأول درجاته إظهار الغضب وآخرها إظهار الفرح ولايكون الفرح وإظهاره إلا ممن في قلبه حنق وحقد على نفسه لتمردها عليه وكثرة عيوبها ومواعيدهاالكاذبة وتلبيساتها الخبيثة فيبغضها بغض العدو والإنسان يفرح ممن يذم عدوه وهذا شخصعدوه نفسه فيفرح إذا سمع ذمها ويشكر الذام على ذلك ويعتقد فطنته وذكاءه لما وقف علىعيوبها فيكون ذلك كالتشفي له من نفسه ويكون غنيمة عنده إذ صار بالمذمة أوضع في أعينالناس حتى لا يبتلى بفتنة الناس وإذا سيقت إليه حسنات لم ينصب فيها فعساه يكون خيرالعيوبه التي هو عاجز عن إماطتها ولو جاهد المريد نفسه طول عمره في هذه الخصلة الواحدةوهو أن يستوي عنده ذامه ومادحه لكان له شغل شاغل فيه لا يتفرغ معه لغيره وبينه وبينالسعادة عقبات كثيرة هذه إحداها ولا يقطع شيئا منها إلا بالمجاهدة الشديدة في العمرالطويل الشطر الثاني من الكتاب في طلب الجاه والمنزلة بالعبادات وهو الرياء وفيه بيانذم الرياء
وبيان حقيقة الرياءوما يرائي وبيان درجات الرياء وبيان الرياء الخفي وبيان ما يحبط العمل منالرياء وما لا يحبط وبيان دواء الرياء وعلاجه وبيان الرخصة في إظهار الطاعات وبيانالرخصة في كتمان الذنوب وبيان ترك الطاعات خوفا من الرياء والآفات وبيان ما يصح مننشاط العبد للعبادات بسبب رؤية الخلق وبيان ما يجب على المريد أن يلزمه قلبه قبل الطاعةوبعدها وهي عشرة فصول وبالله التوفيق
بيان ذم الرياء
اعلم أن الرياء حراموالمرائي عند الله ممقوت وقد شهدت لذلك الآيات والأخبار والآثار
أما الآيات فقوله تعالى فويلللمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون وقوله عز وجل والذينيمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور قال مجاهد هم أهلالرياء وقال تعالى إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا فمدحالمخلصين ينفي كل إرادة سوى وجه الله والرياء ضده وقال تعالى فمن كانيرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا نزل بعد ذلكفيمن يطلب الأجر والحمد بعباداته وأعماله
وأما الأخبار فقدقال صلى الله عليه وسلم حين سأله رجل فقال يا رسول الله فيم النجاة فقالأن لا يعمل العبد بطاعة الله يريد بها الناس وقال أبو هريرة فيحديث الثلاثة المقتول في سبيل الله والمتصدق بماله والقارئلكتاب الله كما أوردناه في كتاب الإخلاص وإن الله عز وجل يقول لكل واحد منهم كذبتبل أردت أن يقال فلان جواد كذبت بل أردت أن يقال فلان شجاع كذبت بل أردت أن يقالفلان قارئ فأخبر صلى الله عليه وسلم أنهم لم يثابوا وأن رياءهم هو الذي أحبطأعمالهم(1) وقال ابن عمر رضي الله عنهما قال النبي صلى الله عليهوسلم من راءى راءى الله به ومن سمع سمع الله به (2)
وقال صلى الله عليه وسلم إن أخوف ماأخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله قال الرياء يقولالله عز وجل يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراءونفي الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء (3) وقال صلى اللهعليه وسلم يقول الله عز وجل من عمل لي عملا أشرك فيه غيري فهو له كلهوأنا منه بريء وأنا منه بريء وأنا أغنى الأغنياء عن الشرك (4)
وقال عيسى المسيحصلى الله عليه وسلم إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن رأسه ولحيته ويمسح شفتيه لئلايرى الناس أنه صائم وإذا أعطى بيمينه فليخف عن شماله وإذا صلى فليرخ ستر بابه فإنالله يقسم الثناء كما يقسم الرزق
وقال نبينا صلىالله عليه وسلم لا يقبل الله عز وجل عملا فيه مثقال ذرة من رياء حديث لا يقبل الله عملا فيه مقدار ذرة من رياء لم أجده هكذا وقالعمر لمعاذ بن جبل حين رآه يبكي ما يبكيك قال حديث سمعته من صاحب هذا القبر يعني النبيصلى الله عليه وسلم يقول إن أدنى الرياء شرك (5)
وقال صلى اللهعليه وسلم أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهرة الخفية وهيأيضا ترجع إلى خطايا الرياء ودقائقه وقال صلى الله عليه وسلم إن في ظلالعرش يوم لا ظل إلا ظله رجلا تصدق بيمينه فكاد يخفيها عن شماله(6) ولذلك ورد أنفضل عمل السر على عمل الجهر بسبعين ضعفا وقال صلى الله عليه وسلم إنالمرائي ينادى عليه يوم القيامة يا فاجر يا غادر يا مرائي ضل عملك وحبط أجرك اذهبفخذ أجرك ممن كنت تعمل له (7) وقال شداد بن أوس رأيتالنبي صلى الله عليه وسلم يبكي فقلت ما يبكيك يا رسول الله قال إني تخوفت على أمتيالشرك أما إنهم لا يعبدون صنما ولا شمسا ولا قمرا ولا حجرا ولكنهم يراءونبأعمالهم(8)
وأما الآثار فيروى أن عمربن الخطاب رضي الله عنه رأى رجلا يطأطئ رقبته فقال يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك ليسالخشوع في الرقاب إنما الخشوع في القلوب ورأى أبو أمامة الباهلي رجلا في المسجديبكي في سجوده فقال أنت أنت لو كان هذا في بيتك وقال علي كرم الله وجهه للمرائيثلاث علامات يكسل إذا كان وحده وينشط إذا كان في الناس ويزيد في العمل إذا أثنيصلى الله عليه وسلم عليه وينقص إذا ذم وقال رجل لعبادة بن الصامت أقاتل بسيفي فيسبيل الله أريد به وجه الله تعالى ومحمدة الناس قال لا شيء لك فسأله ثلاث مرات كلذلك يقول لا شيء لك ثم قال في الثالثة إن الله يقول أنا أغنى الأغنياء عن الشركالحديث وسأل رجل سعيد بن المسيب فقال إن أحدنا يصطنع المعروف يحب أن يحمد ويؤجرفقال له أتحب أن تمقت قال لا قال فإذا عملت لله عملا فأخلصه وقال الضحاك لا يقولنأحدكم هذا لوجه الله ولوجهك ولا يقولن هذا لله وللرحم فإن الله تعالى لا شريك لهوضرب عمر رجلا بالدرة ثم قال له اقتص مني فقال لا بل أدعها لله ولك فقال له عمر ماصنعت شيئا إما أن تدعها لي فأعرف ذلك أو تدعها لله وحده فقال ودعتها لله وحده فقالفنعم إذن وقال الحسن لقد صحبت أقواما إن كان أحدهم لتعرض له الحكمة لو نطق بهالنفعته ونفعت أصحابه وما يمنعه منها إلا مخافة الشهرة وإن كان أحدهم ليمر فيرىالأذى في الطريق فما يمنعه أن ينحيه إلا مخافة الشهرة ويقال إن المرائي ينادي يومالقيامة بأربعة أسماء يا مرائي يا غادر يا خاسر يا فاجر اذهب فخذ أجرك ممن عملت لهفلا أجر لك عندنا
وقال الفضيل بنعياض كانوا يراءون بما يعملون وصاروا اليوم يراءون بما لا يعملون وقال عكرمة إنالله يعطي العبد على نيته ما لا يعطيه على عمله لأن النية لا رياء فيها وقال الحسنرضي الله عنه المرائي يريد أن يغلب قدر الله تعالى وهو رجل سوء يريد أن يقول الناسهو رجل صالح وكيف يقولون وقد حل من ربه محل الأردياء فلا بد لقلوب المؤمنين أنتعرفه وقال قتادة إذا راءى العبد يقول الله تعالى انظروا إلى عبدي يستهزئ بي
وقال مالك بندينار الفراء ثلاثة قراء الرحمن وقراء الدنيا وقراء الملوك وأن محمد بن واسع منقراء الرحمن وقال الفضل من أراد أن ينظر إلى مراء فلينظر إلي وقال محمد بن المباركالصوري أظهر السمت بالليل فإنه أشرف من سمتك بالنهار لأن السمت بالنهار للمخلوقينوسمت الليل لرب العالمين وقال أبو سليمان التوقي عن العمل أشد من العمل وقال ابنالمبارك إن كان الرجل ليطوف بالبيت وهو بخراسان فقيل له وكيف ذاك قال يحب أن لايذكر أنه مجاور بمكة وقال إبراهيم بن أدهم ما صدق الله من أراد أن يشتهر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
>(1)حديث أبي هريرة فيالثلاثة المقتول في سبيل الله والمتصدق بماله والقارئ لكتابه فإن الله تعالى يقوللكل واحد منهم كذبت رواه مسلم وسيأتي في كتاب الإخلاص
>(2)حديث ابن عمر منراءى راءى الله تعالى به ومن سمع سمع الله به متفق عليه من حديث جندب بن عبد اللهوأما حديث ابن عمر فرواه الطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب من رواية شيخ يكنىأبا يزيد عنه بلفظ من سمع الناس سمع الله به سامع خلقه وحقره وصغره وفي الزهد لابنالمبارك ومسند أحمد بن منيع إنه من حديث عبد الله بن عمرو
>(3)حديث إن أخوف ماأخاف عليكم الشرك الأصغر الحديث أخرجه أحمد والبيهقي في الشعب من حديث محمود بن لبيدوله رواية ورجاله ثقات ورواه الطبراني من رواية محمود بن لبيد عن رافع بن خديج
>(4)حديث يقول الله منعمل لي عملا أشرك فيه غيري فهو له كله الحديث أخرجه مالك واللفظ له من حديث أبيهريرة دون قوله وأنا منه بريء ومسلم مع تقديم وتأخير دونها أيضا وهي عند ابن ماجهبسند صحيح
>(5)حديث معاذ إن أدنىالرياء شرك أخرجه الطبراني هكذا والحاكم بلفظ إن اليسير من الرياء شرك وقد تقدم
>(6)حديث إن في ظلالعرش يوم لا ظل إلا ظله رجلا تصدق بيمينه فكاد أن يخفيها عن شماله متفق عليه منحديث أبي هريرة بنحوه في حديث سبعة يظلهم الله في ظله
>(7)حديث إن المرائيينادى يوم القيامة يا فاجر يا غادر يا مرائي ضل عملك وحبط أجرك الحديث أخرجه ابنأبي الدنيا من رواية جبلة اليحصبي من صحابي لم يسم وزاد يا كافر يا خاسر ولم يقليا مرائي وإسناده ضعيف
>(8) حديث شدادبن أوس إني تخوفت على أمتي الشرك الحديث أخرجه ابن ماجه والحاكم نحوه وقد تقدمقريبا
بيان حقيقةالرياء وما يراءى به
اعلم أنالرياء مشتق من الرؤية والسمعة مشتقة من السماع وإنما الرياء أصله طلب المنزلة في قلوبالناس بإيرائهم خصال الخير إلا أن الجاه والمنزلة تطلب في القلب بأعمال سوى العباداتوتطلب بالعبادات واسم الرياء مخصوص بحكم العادة بطلب المنزلة في القلوب بالعبادة وإظهارهافحد الرياء هو إرادة العباد بطاعة الله فالمرائي هو العابد والمراءى هو الناس المطلوبرؤيتهم بطلب المنزلة في قلوبهم والمراءى به هو الخصال التي قصد المرائي إظهارها والرياءهو قصده إظهار ذلك والمراءى به كثير وتجمعه خمسة أقسام وهي مجامع ما يتزين به العبدللناس وهو البدن والزي والقول والعمل والأتباع والأشياء الخارجة وكذلك أهل الدنيا يراءونبهذه الأسباب الخمسة إلا أن طلب الجاه وقصد الرياء بأعمال ليست من جملة الطاعات أهونمن الرياء بالطاعات

القسم الأول الرياء في الدين بالبدن
وذلك بإظهارالنحول والصفار ليوهم بذلك شدة الاجتهاد وعظم الحزن على أمر الدين وغلبة خوفالآخرة وليدل بالنحول على قلة الأكل وبالصفار على سهر الليل وكثرة الاجتهاد وعظمالحزن على الدين وكذلك يرائي بتشعيث الشعر ليدل به على استغراق الهم بالدين وعدمالتفرغ لتسريح الشعر وهذه الأسباب مهما ظهرت استدل الناس بها على هذه الأمورفارتاحت النفس لمعرفتهم فلذلك تدعوه النفس إلى إظهارها لنيل تلك الراحة ويقرب منهذا خفض الصوت وإغارة العينين وذبول الشفتين ليستدل بذلك على أنه مواظب على الصوموأن وقار الشرع هو الذي خفض من صوته أو ضعف الجوع هو الذي ضعف من قوته وعن هذا قالالمسيح عليه السلام إذا صام أحدكم فليدهن رأسه ويرجل شعره ويكحل عينيه وكذلك رويعن أبي هريرة وذلك كله لما يخاف عليه من نزغ الشيطان بالرياء ولذلك قال ابن مسعودأصبحوا صياما مدهنين فهذه مراءاة أهل الدين بالبدن فأما أهل الدنيا فيراءون بإظهارالسمن وصفاء اللون واعتدال القامة وحسن الوجه ونظافة البدن وقوة الأعضاء وتناسبها
الثاني الرياء بالهيئة والزي
أماالهيئة فبتشعيث شعر الرأس وحلق الشارب وإطراق الرأس في المشي والهدوء فيالحركة وإبقاء أثر السجود على الوجه وغلظ الثياب ولبس الصوف وتشميرها إلى قريب منالساق وتقصير الأكمام وترك تنظيف الثوب وتركه مخرقا كل ذلك يرائي به ليظهر من نفسهأنه متبع للسنة فيه ومقتد فيه بعباد الله الصالحين ومن ذلك لبس المرقعة والصلاةعلى السجادة ولبس الثياب الزرق تشبها بالصوفية مع الإفلاس من حقائق التصوف فيالباطن ومنه التقنع بالإزار فوق العمامة وإسبال الرداء على العينين ليرى به أنه قدانتهى تقشفه إلى الحذر من غبار الطريق ولتنصرف إليه الأعين بسبب تميزه بتلكالعلامة ومنه الدراعة والطيلسان يلبسه من هو خال عن العلم ليوهم أنه من أهل العلموالمراءون بالزي على طبقات فمنهم من يطلب المنزلة عند أهل الصلاح بإظهار الزهدفيلبس الثياب المخرقة الوسخة القصيرة الغليظة ليرائي بغلظها ووسخها وقصرها وتخرقهاأنه غير مكترث بالدنيا ولو كلف أن يلبس ثوبا وسطا نظيفا مما كان السلف يلبسه لكانعنده بمنزلة الذبح وذلك لخوفه أن يقول الناس قد بدا له من الزهد ورجع عن تلكالطريقة ورغب في الدنيا وطبقة أخرى يطلبون القبول عند أهل الصلاح وعند أهل الدنيامن الملوك والوزراء والتجار ولو لبسوا الثياب الفاخرة ردهم القراء ولو لبسواالثياب المخرقة البذلة أزدرتهم أعين الملوك والأغنياء فهم يريدون الجمع بين قبولأهل الدين والدنيا فلذلك يطلبون الأصواف الدقيقة والأكسية الرقيقة والمرقعاتالمصبوغة والفوط الرفيعة فيلبسونها ولعل قيمة ثوب أحد الأغنياء ولونه وهيأته لونثياب الصلحاء فيلتمسون القبول عند الفريقين وهؤلاء إن كلفوا لبس ثوب خشن أو وسخلكان عندهم كالذبح خوفا من السقوط من أعين الملوك والأغنياء ولو كلفوا لبس الديبقىوالكتان الدقيق الأبيض والمقصب المعلم وإن كانت قيمته دون قيمة ثيابهم لعظم ذلكعليهم خوفا من أن يقول أهل الصلاح قد رغبوا في زي أهل الدنيا وكل طبقة منهم رأىمنزلته في زي مخصوص فيثقل عليه الانتقال إلى ما دونه أو إلى ما فوقه وإن كان مباحاخيفة من المذمة وأما أهل الدنيا فمراءاتهم بالثياب النفيسة والمراكب الرفيعةوأنواع التوسع والتجمل في الملبس والمسكن وأثاث البيت وفره الخيول وبالثيابالمصبغة والطيالسة النفيسة وذلك ظاهر بين الناس فإنهم يلبسون في بيوتهم الثيابالخشنة ويشتد عليهم لو برزوا للناس على تلك الهيئة ما لم يبالغوا في الزينة
الثالث الرياء بالقول
ورياء أهل الدين بالوعظوالتذكير والنطقبالحكمة وحفظ الأخبار والآثار لأجل الاستعمال في المحاورة وإظهارا لغزارة العلمودلالة على شدة العناية بأحوال السلف الصالحين وتحريك الشفتين بالذكر في محضرالناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمشهد الخلق وإظهار الغضب للمنكرات وإظهارالأسف على مقارفة الناس للمعاصي وتضعيف الصوت في الكلام وترقيق الصوت بقراءةالقرآن ليدل بذلك على الخوف والحزن وادعاء حفظ الحديث ولقاء الشيوخ والدق على منيروي الحديث ببيان خلل في لفظه ليعرف أنه بصير بالأحاديث والمبادرة إلى أن الحديثصحيح أو غير صحيح لإظهار الفضل فيه والمجادلة على قصد إفحام الخصم ليظهر للناسقوته علم الدين والرياء بالقول كثير وأنواعه لا تنحصر وأما أهل الدنيا فمراءاتهمبالقول بحفظ الأشعار والأمثال والتفاصح في العبارات وحفظ النحو الغريب للأغراب علىأهل الفضل وإظهار التودد إلى الناس لاستمالة القلوب
الرابع الرياءبالعمل
كمراءاة المصلي بطول القيام ومدالظهر وطول السجود والركوع وإطراق الرأس وترك الالتفات وإظهار الهدوء والسكونوتسوية القدمين واليدين وكذلك بالصوم والغزو والحج وبالصدقة وبإطعام الطعاموبالإخبات في المشي عند اللقاء كإرخاء الجفون وتنكيس الرأس والوقار في الكلام حتىإن المرائي قد يسرع في المشي إلى حاجته فإذا اطلع عليه أحد من أهل الدين رجع إلىالوقار وإطراق الرأس خوفا من أن ينسبه إلى العجلة وقلة الوقار فإن غاب الرجل عادإلى عجلته فإذا رآه عاد إلى خشوعه ولم يحضره ذكر الله حتى يكون يجدد الخشوع له بلهو لاطلاع إنسان عليه يخشى أن لا يعتقد فيه أنه من العباد والصلحاء ومنهم من إذاسمع هذا استحيا من أن تخالف مشيته في الخلوة مشيته بمرأى من الناس فيكلف نفسهالمشية الحسنة في الخلوة حتى إذا رآه الناس لم يفتقر إلى التغيير ويظن أنه يتخلصبه عن الرياء وقد تضاعف به رياؤه فإنه صار في خلوته أيضا مرائيا فإنه إنما يحسنمشيته في الخلوة ليكون كذلك في الملأ لا لخوف من الله وحياء منه وأما أهل الدنيافمراءاتهم بالتبختر والاختيال وتحريك اليدين وتقريب الخطا والأخذ بأطراف الذيلوإرادة العطفين ليدلوا بذلك على الجاه والحشمة
الخامسالمراءاة بالأصحاب والزائرين والمخالطين
كالذي يتكلفأن يستزير عالما من العلماء ليقال إن فلانا قد زار فلانا أو عابدا من العباد ليقالإن أهل الدين يتبركون بزيارته ويترددون إليه أو ملكا من الملوك أو عاملا من عمالالسلطان ليقال إنهم يتبركون به لعظم رتبته في الدين وكالذي يكثر ذكر الشيوخ ليرىأنه لقي شيوخا كثيرة واستفاد منهم فيباهي بشيوخه ومباهاته ومراءاته تشرشح منه عندمخاصمته فيقول لغيره من لقيت من الشيوخ وأنا قد لقيت فلانا وفلانا ودرت البلادوخدمت الشيوخ وما يجري مجراه فهذه مجامع ما يرائي به المراءون وكلهم يطلبون بذلكالجاه والمنزلة في قلوب العباد ومنهم من يقنع بحسن الاعتقادات فيه فكم من راهبانزوى إلى ديره سنين كثيرة وكم من عابد اعتزل إلى قلة جبل مدة مديدة وإنما خبأتهمن حيث علمه بقيام جاهه في قلوب الخلق ولو عرف أنهم نسبوه إلى جريمة في ديره أوصومعته لتشوش قلبه ولم يقنع بعلم الله ببراءة ساحته بل يشتد لذلك غمه ويسعى بكلحيلة في إزالة ذلك من قلوبهم مع أنه قد قطع طمعه من أموالهم ولكنه يحب مجرد الجاهفإنه لذيذ كما ذكرناه في أسبابه فإنه نوع قدرة وكمال في الحال وإن كان سريع الزواللا يغتر به إلا الجهال ولكن أكثر الناس جهال ومن المرائين من لا يقنع بقيام منزلتهبل يلتمس من ذلك إطلاق اللسان بالثناء والحمد ومنهم من يريد انتشار الصيت فيالبلاد لتكثر الرحلة إليه ومنهم من يريد الاشتهار عند الملوك لتقبل شفاعته وتنجزالحوائج على يده فيقوم له بذلك جاه عند العامة ومنهم من يقصد التوصل بذلك إلى جمعحطام وكسب مال ولو من الأوقاف وأموال اليتامى وغير ذلك من الحرام وهؤلاء شر طبقاتالمرائين الذين يراءون بالأسباب التي ذكرناها فهذه حقيقة الرياء وما به يقع الرياء

فإن قلت فالرياء حرام أومكروه أو مباح أو فيه تفصيل ؟
فأقول فيه تفصيل :
فإن الرياء هو طلبالجاه وهو إما أن يكون بالعبادات أو بغير العبادات فإن كان بغيرالعبادات فهو كطلب المال فلا يحرم من حيث إنهطلب منزلة في قلوب العباد ولكن كما يمكن كسب المال بتلبيسات وأسباب محظورات فكذلكالجاه وكما أن كسب قليل من المال هو ما يحتاج إليه الإنسان محمود فكسب قليل منالجاه وهو ما يسلم به عن الآفات أيضا محمود وهو الذي طلبه يوسف عليه السلام حيثقال إني حفيظ عليم وكما أن المال فيه سم ناقع ودرياق نافعفكذلك الجاه وكما أن كثير المال يلهى ويطفى وينسى ذكر الله والدار الآخرة فكذلككثير الجاه بل أشد وفتنة الجاه أعظم من فتنة المال
وكما أنا نقولتملك المال الكثير حرام فلا نقول أيضا تملك القلوب الكثيرة حرام إلا إذا حملتهكثرة المال وكثرة الجاه على مباشرة ما لا يجوز نعم انصراف الهم إلى سعة الجاه مبدأالشرور كانصراف الهم إلى كثرة المال ولا يقدر محب الجاه والمال على ترك معاصيالقلب واللسان وغيرها وأما سعة الجاه من غير حرص منك على طلبه ومن غير اغتمامبزواله إن زال فلا ضرر فيه فلا جاه أوسع من جاه ورسول الله صلى الله عليه وسلموجاه الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من علماء الدين ولكن انصراف الهم إلى طلب الجاهنقصان في الدين ولا يوصف بالتحريم
فعلى هذا نقول تحسينالثوب الذي يلبسه الإنسان عند الخروج إلى الناس مراءاة وهو ليس بحرام لأنه ليسرياء بالعبادة بل بالدنيا وقس على هذا كل ما تجمل للناس وتزين لهم والدليل عليه ماروي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أنيخرج يوما إلى الصحابة فكان ينظر في جب الماء ويسوي عمامته وشعره فقالت أو تفعلذلك يا رسول الله قال نعم إن الله تعالى يحب من العبد أن يتزين لإخوانه إذا خرجإليهم (1)
نعم هذا كان من رسولالله صلى الله عليه وسلم عبادة لأنه كان مأمورا بدعوة الخلق وترغيبهم في الاتباعواستمالة قلوبهم ولو سقط من أعينهم لم يرغبوا في اتباعه فكان يجب عليه أن يظهر لهممحاسن أحواله لئلا تزدريه أعينهم فإن أعين عوام الخلق تمتد إلى الظواهر دونالسرائر فكان ذلك قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن لو قصد قاصد به أن يحسننفسه في أعينهم حذرا من ذمهم ولومهم واسترواحا إلى توقيرهم واحترامهم كان قد قصدأمرا مباحا إذ للإنسان أن يحترز من ألم المذمة ويطلب راحة الأنس بالإخوان ومهمااستثقلوه واستقذروه لم يأنس بهم فإذن المراءاة بما ليس من العبادات قد تكون مباحة وقدتكون طاعة وقد تكون مذمومة وذلك بحسب الغرض المطلوب بها
ولذلك نقول الرجلإذا أنفق ماله على جماعة من الأغنياء لا في معرض العبادة والصدقة ولكن ليعتقدالناس أنه سخي فهذا مراءاة وليس بحرام وكذلك أمثاله أما العبادات كالصدقة والصلاةوالصيام والغزو والحج فللمرائي فيه حالتان :
إحداهما أن لا يكونله قصد إلا الرياء المحض دون الأجر وهذا يبطل عبادته لأن الأعمال بالنيات وهذا ليسبقصد العبادة لا يقتصر على إحباط عبادته حتى نقول صار كما كان قبل العبادة بل يعصيبذلك ويأثم كما دلت عليه الأخبار والآيات والمعنى فيه أمران أحدهما يتعلق بالعبادوهو التلبيس والمكر لأنه خيل إليهم أنه مخلص مطيع لله وأنه من أهل الدين وليس كذلكوالتلبيس في أمر الدنيا حرام أيضا حتى لو قضى دين جماعة وخيل للناس أنه متبرععليهم ليعتقدوا سخاوته أثم به لما فيه من التلبيس وتملك القلوب بالخداع والمكروالثاني يتعلق بالله وهو أنه مهما قصد بعبادة الله تعالى خلق الله فهو مستهزئبالله ولذلك قال قتادة إذا راءى العبد قال الله لملائكته انظروا إليه كيف يستهزئبي
ومثاله أن يتمثل بين يديملك من الملوك طول النهار كما جرت عادة الخدم وإنما وقوفه لملاحظة جارية من جواريالملك أو غلام من غلمانه فإن هذا استهزاء بالملك إذ لم يقصد التقريب إلى الملكبخدمته بل قصد بذلك عبدا من عبيده فأي استحقار يزيد على أن يقصد العبد بطاعة اللهتعالى مراءاة عبد ضعيف لا يملك له ضرا ولا نفعا وهل ذلك إلا لأنه يظن أن ذلك العبدأقدر على تحصيل أغراضه من الله وأنه أولى بالتقريب إليه من الله إذ آثره على ملكالملوك فجعله مقصود عبادته وأي استهزاء يزيد على رفع العبد فوق المولى فهذا منكبائر المهلكات ولهذا سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرك الأصغر (2)
نعم بعض درجات الرياءأشد من بعض كما سيأتي بيانه في درجات الرياء إن شاء الله تعالى ولا يخلو شيء منهعن إثم غليظ أو خفيف بحسب ما به المراءاة ولو لم يكن في الرياء إلاأنه يسجد ويركع لغير الله لكان فيه كفاية فإنه وإن لم يقصدالتقرب إلى الله فقد قصد غير الله ولعمري لو عظم غير الله بالسجود لكفر كفرا جلياإلا أن الرياء هو الكفر الخفي لأن المرائي عظم في قلبه الناس فاقتضت تلك العظمة أنيسجد ويركع فكان الناس هم المعظمون بالسجود من وجه ومهما زال قصد تعظيم اللهبالسجود وبقي تعظيم الخلق كان ذلك قريبا من الشرك إلا أنه قصد تعظيم نفسه في قلبمن عظم عنده بإظهاره من نفسه صورة التعظيم لله فعن هذا كان شركا خفيا لا شركا جلياوذلك غاية الجهل ولا يقدم عليه إلا من خدعه الشيطان وأوهم عنده أن العباد يملكونمن ضره ونفعه ورزقه وأجله ومصالح حاله ومآله أكثر مما يملكه الله تعالى فلذلك عدلبوجهه عن الله إليهم وأقبل بقلبه عليهم ليستميل بذلك قلوبهم ولو وكله الله تعالىإليهم في الدنيا والآخرة لكان ذلك أقل مكافأة له على صنيعه فإن العباد كلهم عاجزونعن أنفسهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا فكيف يملكون لغيرهم هذا في الدنيا فكيففي يوم لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا بل تقول الأنبياء فيهنفسي نفسي فكيف يستبدل الجاهل عن ثواب الآخرة ونيل القرب عند الله ما يرتقبه بطمعهالكاذب في الدنيا من الناس فلا ينبغي أن نشك في أن المرائي بطاعة الله في سخط اللهمن حيث النقل والقياس جميعا هذا إذا لم يقصد الأجر فأما إذا قصد الأجر والحمدجميعا في صدقته أو صلاته فهو الشرك الذي يناقض الإخلاص وقد ذكرنا حكمه في كتابالإخلاص ويدل على ما نقلناه من الآثار قول سعيد بن المسيب وعبادة بن الصامت إنه لاأجر له فيه أصلا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
>(1)حديث عائشة أرادأن يخرج على أصحابه وكان ينظر في جب الماء ويسوي عمامته وشعره الحديث أخرجه ابنعدي في الكامل وقد تقدم في الطهارة
>(2)حديث سمى الرياءالشرك الأصغر أخرجه أحمد من حديث محمود بن لبيد وقد تقدم ورواه الطبراني من روايةمحمود بن لبيد عن رافع بن خديج فجعله في مسند رافع وتقدم قريبا وللحاكم وصححإسناده من حديث شداد بن أوس كنا نعد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنالرياء الشرك الأصغر

بيان درجات الرياء
اعلم أن بعض أبوابالرياء أشد وأغلظ من بعض واختلافه باختلاف أركانه وتفاوت الدرجات فيه وأركانه ثلاثةالمراءى به والمراءى لأجله ونفس قصد الرياء
الركن الأول نفس قصدالرياء
وذلك لا يخلو إما أنيكون مجردا دون إرادة عبادة الله تعالى والثواب وإما أن يكون مع إرادة الثواب فإنكان كذلك فلا يخلو إما أن تكون إرادة الثواب أقوى وأغلب أو أضعف أو مساوية لإرادةالعبادة فتكون الدرجات أربعا :
الأولى وهي أغلظها: أن لايكون مراده الثواب أصلا كالذي يصلى بين أظهر الناس ولو انفرد لكان لا يصلي بل ربمايصلي من غير طهارة مع الناس فهذا جرد قصده إلى الرياء فهوالممقوت عند الله تعالى وكذلك من يخرج الصدقة خوفا من مذمة الناس وهو ولا يقصدالثواب ولا خلا بنفسه لما أداها فهذه الدرجة العليا من الرياء
الثانية أن يكون له قصدالثواب أيضا ولكن قصدا ضعيفا بحيث لو كان في الخلوة لكان لا يفعله ولايحمله ذلك القصد على العمل ولو لم يكن قصد الثواب لكان الرياء يحمله على العملفهذا قريب مما قبله وما فيه من شائبة قصد ثواب لا يستقل بحمله على العمل لا ينفيعنه المقت والإثم الثالثة أن يكون له قصد الثواب وقصد الرياءمتساويين بحيث لو كان كل واحد منهما خاليا عن الآخر لم يبعثه على العملفلما اجتمعا انبعثت الرغبة أو كان كل واحد منهما لو انفرد لاستقل بحمله على العملفهذا قد أفسد مثل ما أصلح فنرجو أن يسلم رأسا برأس لا له ولا عليه أو يكون له منالثواب مثل ما عليه من العقاب وظواهر الأخبار تدل على أنه لا يسلم وقد تكلمنا عليهفي كتاب الإخلاص
الرابعة أنيكون إطلاع الناس مرجحا ومقويا لنشاطه ولو لم يكن لكان لا يترك العبادة ولو كان قصدالرياء وحده لما أقدم عليه فالذي نظنه والعلم عند الله أنه لا يحبط أصل الثوابولكنه ينقص منه أو يعاقب على مقدار قصد الرياء ويثاب على مقدار قصد الثواب وأماقوله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى أنا أغنى الأغنياء عن الشرك فهومحمول على ما إذا تساوى القصدان أو كان قصد الرياء أرجح
الركن الثانيالمراءى به وهو الطاعات
وذلك ينقسم إلى: الرياءبأصول العبادات وإلى الرياء بأوصافها
القسم الأول وهو الأغلظالرياء بالأصول
وهو على ثلاث درجات ::
الأولى الرياء بأصلالإيمان : وهذا أغلظ أبواب الرياء وصاحبه مخلد في النار وهو الذي يظهركلمتي الشهادة وباطنه مشحون بالتكذيب ولكنه يرائي بظاهر الإسلام وهو الذي ذكرهالله تعالى في كتابه في مواضع شتى كقوله عز وجل إذا جاءك المنافقونقالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون أي فيدلالتهم بقولهم على ضمائرهم وقال تعالى ومن الناس من يعجبك قولهفي الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى فيالأرض ليفسد فيها الآية وقال تعالى وإذا لقوكم قالوا آمناوإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ وقال تعالى يراءون الناسولا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين بين ذلك والآيات فيهم كثيرة وكانالنفاق يكثر في ابتداء الإسلام ممن يدخل في ظاهر الإسلام ابتداء لغرض وذلك مما يقلفي زماننا ولكن يكثر نفاق من ينسل عن الدين باطنا فيجحد الجنة والنار والدارالآخرة ميلا إلى قول الملحدة أو يعتقد على بساط الشرع والأحكام ميلا إلى أهلالإباحة أو يعتقد كفرا أو بدعة وهو يظهر خلافه فهؤلاء من المنافقين والمرائينالمخلدين في النار وليس وراء هذا الرياء رياء وحال هؤلاء أشد حالا من الكفارالمجاهرين فإنهم جمعوا بين كفر الباطن ونفاق الظاهر.
الثانية الرياء بأصولالعبادات مع التصديق بأصل الدين
وهذا أيضا عظيم عند اللهولكنه دونالأول بكثير ومثاله أن يكون مال الرجل في يد غيره فيأمره بإخراج الزكاة خوفا منذمه والله يعلم منه أنه لو كان في يده لما أخرجها أو يدخل وقت الصلاة وهو في جمعوعادته ترك الصلاة في الخلوة وكذلك يصوم رمضان وهو يشتهي خلوة من الخلق ليفطروكذلك يحضر الجمعة ولولا خوف المذمة لكان لا يحضرها أو يصل رحمه أو يبر والديه لاعن رغبة ولكن خوفا من الناس أو يغزو أو يحج كذلك فهذا مراء معه أصل الإيمان باللهيعتقد أنه لا معبود سواه ولو كلف أن يعبد غير الله أو يسجد لغيره لم يفعل ولكنهيترك العبادات للكسل وينشط عند إطلاع الناس فتكون منزلته عند الخلق أحب إليه منمنزلته عند الخالق وخوفه من مذمة الناس أعظم من خوفه من عقاب الله ورغبته فيمحمدتهم أشد مرغبته في ثواب الله وهذا غاية الجهل وما أجدر صاحبه بالمقت وإن كانغير منسل عن أصل الإيمان من حيث الاعتقاد.
الثالثة أن لا يرائيبالإيمان ولا بالفرائض ولكنه يرائي بالنوافل والسنن التي لوتركها لا يعصي ولكنه يكسل عنها في الخلوة لفتور رغبته في ثوابها ولإيثار لذة الكسلعلى ما يرجى من الثواب ثم يبعثه الرياء على فعلها وذلك كحضور الجماعة في الصلاةوعيادة المريض واتباع الجنازة وغسل الميت وكالتهجد بالليل وصيام يوم عرفة وعاشوراءويوم الاثنين والخميس فقد يفعل المرائي جملة ذلك خوفا من المذمة أو طلبا للمحمدةويعلم الله تعالى منه أنه لو خلا بنفسه لما زاد على أداء الفرائض فهذا أيضا عظيمولكنه دون ما قبله فإن الذي قبله آثر حمد الخلق على حمد الخالق وهذا أيضا قد فعلذلك واتقى ذم الخلق دون ذم الخالق فكان ذم الخلق أعظم عنده من عقاب الله وأما هذافلم يفعل ذلك لأنه لم يخف عقابا على ترك النافلة لو تركها وكأنه على شطر من الأولوعقابه نصف عقابه فهذا هو الرياء بأصول العبادات
القسم الثاني الرياءبأوصاف العبادات لا بأصولها
وهو أيضا على ثلاثةدرجات:
الأولى أن يرائي بفعل مافي تركه نقصان العبادة كالذي غرضه أن يخفف الركوع والسجود ولا يطولالقراءة فإذا رآه الناس أحسن الركوع والسجود وترك الالتفات وتمم القعود بينالسجدتين وقد قال ابن مسعود من فعل ذلك فهو استهانة يستهين بها ربه عز وجل أي أنهليس يبالي باطلاع الله عليه في الخلوة فإذا اطلع عليه آدمي أحسن الصلاة ومن جلسبين يدي إنسان متربعا أو متكئا فدخل غلامه فاستوى وأحسن الجلسة كان ذلك منه تقديماللغلام على السيد واستهانة بالسيد لا محالة وهذا حال المرائي بتحسين الصلاة فيالملأ دون الخلوة وكذلك الذي يعتاد إخراج الزكاة من الدنانير الرديئة أو من الحبالرديء فإذا اطلع عليه غيره أخرجها من الجيد خوفا من مذمته وكذلك الصائم يصون صومهعن الغيبة والرفث لأجل الخلق لا إكمالا لعبادة الصوم خوفا من المذمة فهذا أيضا منالرياء المحظور لأن فيه تقديما للمخلوقين على الخالق ولكنه دون الرياء بأصولالتطوعات
فإن قال المرائيإنما فعلت ذلك صيانة لألسنتهم عن الغيبة فإنهم إذا رأوا تخفيف الركوع والسجودوكثرة الالتفات أطلقوا اللسان بالذم والغيبة وإنما قصدت صيانتهم عن هذه المعصية فيقال له هذهمكيدة للشيطان عندك وتلبيس وليس الأمر كذلك فإن ضررك من نقصان صلاتك وهي خدمة منكلمولاك أعظم من ضررك بغيبة غيرك فلو كان باعثك الدين لكان شفقتك على نفسك أكثر وماأنت في هذا إلا كمن يهدي وصيفة إلى ملك لينال منه فضلا وولاية يتقلدها فيهديهاإليه وهي عوراء قبيحة مقطوعة الأطراف ولا يبالي به إذا كان الملك وحده وإذا كانعنده بعض غلمانه امتنع خوفا من مذمة غلمانه وذلك محال بل من يراعي جانب غلام الملكينبغي أن تكون مراقبته للملك أكثر نعم للمرائي فيه حالتان :
إحداهما أن يطلب بذلكالمنزلة والمحمدة عند الناس وذلك حرام قطعا
والثانية أن يقول ليسيحضرني في الإخلاص في تحسين الركوع والسجود ولو خففت كانت صلاتي عندهم ناقصةوآذاني الناس بذمهم وغيبتهم فأستقيد بتحسين الهيبة دفع مذمتهم ولا أرجو عليه ثوابافهو خير من أن أترك تحسين الصلاة فيفوت الثواب وتحصل المذمة فهذا فيه أدنى نظر
والصحيح أن الواجبعليه أن يحسن ويخلص فإن لم تحضره النية فينبغي أن يستمر على عادته في الخلوة فليسله أن يدفع الذم بالمراءاة بطاعة الله فإن ذلك استهزاء كما سبق
الدرجة الثانية أنيرائي بفعل مالا نقصان في تركه ولكن فعله في حكم التكملة والتتمةلعبادته كالتطويل في الركوع والسجود ومد القيام وتحسين الهيئة ورفع اليدينوالمبادرة إلى التكبيرة الأولى وتحسين الاعتدال والزيادة في القراءة على السورالمعتادة وكذلك كثرة الخلوة في صوم رمضان وطول الصمت وكاختيار الأجود على الجيد فيالزكاة وإعتاق الرقبة الغالية في الكفارة وكل ذلك مما لو خلا بنفسه لكان لا يقدمعليه
الثالثة أن يرائيبزيادات خارجة عن نفس النوافل أيضا كحضوره الجماعة قبل القوم وقصدهللصف الأول وتوجهه إلى يمين الإمام وما يجري مجراه وكل ذلك مما يعلم الله منه أنهلو خلا بنفسه لكان لا يبالي أين وقف ومتى يحرم بالصلاة فهذه درجات الرياء بالإضافةإلى ما يرائي به وبعضه أشد من بعض والكل مذموم
الركن الثالثالمرائي لأجله
فإن للمرائي مقصودا لامحالة وإنما يرائي لإدراك مال أو جاه أو غرض من الأغراض لا محالة وله أيضا ثلاثدرجات::
الأولى وهي أشدهاوأعظمها:
أن يكون مقصوده التمكنمن معصية كالذي يرائي بعبادته ويظهر التقوى والورع بكثرة النوافل والامتناع عن أكلالشبهات وغرضه أن يعرف بالأمانة فيولى القضاء أو الأوقاف أو الوصايا أو مالالأيتام فيأخذها أو يسلم إليه تفرقة الزكاة أو الصدقات ليستأثر بما قدر عليه منهاأو يودع الودائع فيأخذها ويجحدها أو تسلم إليه الأموال التي تنفق في طريق الحجفيختزل بعضها أو كلها أو يتوصل بها إلى استتباع الحجيج ويتوصل بقوتهم إلى مقاصدهالفاسدة في المعاصي وقد يظهر بعضهم زي التصوف وهيئة الخشوع وكلام الحكمة على سبيلالوعظ والتذكير وإنما قصده التحبب إلى امرأة أو غلام لأجل الفجور وقد يحظرون مجالسالعلم والتذكيروحلق القرآن يظهرون الرغبة في سماع العلم والقرآن وغرضهم ملاحظةالنساء والصبيان أو يخرج إلى الحج ومقصوده الظفر بمن في الرفقة من امرأة أو غلاموهؤلاء أبغض المرائين إلى الله تعالى لأنهم جعلوا طاعة ربهم سلما إلى معصيتهواتخذوها آلة ومتجرا وبضاعة لهم في فسقهم ويقرب من هؤلاء وإن كان دونهم من هومقترف جريمة اتهم بها وهو مصر عليها ويريد أن ينفي التهمة عن نفسه فيظهر التقوىلنفي التهمة كالذي جحد وديعة واتهمه الناس بها فيتصدق بالمال ليقال إنه يتصدق بمالنفسه فكيف يستحل مال غيره وكذلك من ينسب إلى فجور بامرأة أو غلام فيدفع التهمة عننفسه بالخشوع وإظهار التقوى
الثانية أن يكونغرضه نيل حظ مباح من حظوظ الدنيا
من مال أو نكاح امرأةجميلة أو شريفة كالذي يظهر الحزن والبكاء ويشتغل بالوعظ والتذكير لتبذل له الأموالويرغب في نكاحه النساء فيقصد إما امرأة بعينها لينكحها أو امرأة شريفة على الجملةوكالذي يرغب أن يتزوج بنت عالم عابد فيظهر له العلم والعبادة ليرغب في تزويجه ابنتهفهذا رياء محظور لأنه طلب بطاعة الله متاع الحياة الدنيا ولكنه دون الأول فإنهالمطلوب بهذا مباح في نفسه
الثالثة أن لايقصد نيل حظ وإدراك مال أو نكاح ولكن يظهر عبادته خوفا من أن ينظر إليه بعين النقص ولا يعد منالخاصة والزهاد ويعتقد أنه من جملة العامة كالذي يمشي مستعجلا فيطلع عليه الناسفيحسن المشي ويترك العجلة كيلا يقال إنه من أهل اللهو والسهو لا من أهل الوقاروكذلك إن سبق إلى الضحك أو بدا منه المزاح فيخاف أن ينظر إليه بعين الاحتقار فيتبعذلك بالاستغفار وتنفس الصعداء وإظهار الحزن ويقول ما أعظم غفلة الآدمي عن نفسهوالله يعلم منه أنه لو كان في خلوة لما كان يثقل عليه ذلك وإنما يخاف أن ينظر إليهبعين الاحتقار لا بعين التوقير وكالذي يرى جماعة يصلون التراويح أو يتهجدون أويصومون الخميس والاثنين أو يتصدقون فيوافقهم خيفة أن ينسب إلى الكسل ويلحق بالعوامولو خلا بنفسه لكان لا يفعل شيئا من ذلك وكالذي يعطش يوم عرفة أو عاشوراء أو فيالأشهر الحرم فلا يشرب خوفا من أن يعلم الناس أنه غير صائم فإذا ظنوا به الصومامتنع عن الأكل لأجله أو يدعى إلى طعام فيمتنع ليظن أنه صائم وقد لا يصرح بأنيصائم ولكن يقول لي عذر وهو جمع بين خبيثين فإنه يرى أنه صائم ثم يرى أنه مخلص ليسبمراء وأنه يحترز من أن يذكر عبادته للناس فيكون مرائيا فيريد أن يقال إنه ساترلعبادته ثم إن اضطر إلى شرب لم يصبر عن أن يذكر لنفسه فيه عذرا تصريحا أو تعريضابأن يتعلل بمرض يقتضي فرط العطش ويمنع من الصوم أو يقول أفطرت تطييبا لقلب فلان ثمقد لا يذكر ذلك متصلا بشربه كي لا يظن به أن يعتذر رياء ولكنه يصبر ثم يذكر عذرهفي معرض حكاية عرضا مثل أن يقول إن فلانا محب للإخوان شديد الرغبة في أن يأكلالإنسان من طعامه وقد ألح علي اليوم ولم أجد بدا من تطييب قلبه ومثل أن يقول إنأمي ضعيفة القلب مشفقة علي تظن أني لو صمت يوما مرضت فلا تدعني أصوم
فهذا وما يجري مجراه منآفات الرياء فلا يسبق إلى اللسان إلا لرسوخ عرق الرياء في الباطن أما المخلص فإنهلا يبالي كيف نظر الخلق إليه فإن لم يكن له رغبة في الصوم وقد علم الله ذلك منهفلا يريد أن يعتقد غيره ما يخالف علم الله فيكون ملبسا وإن كان له رغبة في الصوملله قنع بعلم الله تعالى ولم يشرك فيه غيره وقد يخطر له أن في إظهاره اقتداء غيرهبه وتحريك رغبة الناس فيه وفيه مكيدة وغرور وسيأتي شرح ذلك وشروطه فهذه درجاتالرياء ومراتب أصناف المرائين وجميعهم تحت مقت الله وغضبه وهو من أشد المهلكات وإنمن شدته أن فيه شوائب هي أخفى من دبيب النمل كما ورد به الخبر يزل فيه فحولالعلماء فضلا عن العباد الجهلاء بآفات النفوس وغوائل القلوب والله أعلم.
بيان الرياء الخفي الذي هو أخفى من دبيب النمل
اعلم أنالرياء جلي وخفي فالجليهو الذي يبعث على العمل ويحمل عليه ولو قصد الثواب وهو أجلاه وأخفى منه قليلا هو ما لايحمل على العمل بمجرده إلا أنه يخفف العمل الذي يريد به وجه الله كالذي يعتادالتهجد كل ليلة ويثقل عليه فإذا نزل عندهضيف تنشط له وخف عليه وعلمأنه لولا رجاء الثواب لكان لا يصلي لمجرد رياء الضيفان
وأخفى من ذلكما لا يؤثر في العمل ولا بالتسهيل والتخفيف أيضا ولكنه مع ذلك مستبطن في القلبومهما لم يؤثر في الدعاء إلى العمل لم يمكن أن يعرف إلا بالعلامات وأجلى علاماته أن يسر باطلاع الناس علىطاعته فرب عبد يخلص في عمله ولا يعتقد الرياء بل يكرهه ويرده ويتمم العمل كذلكولكن إذا اطلع عليه الناس سره ذلك وارتاح له وروح ذلك عن قلبه شدة العبادة وهذاالسرور يدل على رياء خفي منه يرشح السرور ولولا التفات القلب إلى الناس لما ظهرسروره عند اطلاع الناس فلقد كان الرياء مستكنا في القلب استكنان النار في الحجرفأظهر عنه اطلاع الخلق أثر الفرح والسرور ثم إذا استشعر لذة السرور بالاطلاع ولميقابل ذلك بكراهية فيصير ذلك قوتا وغذاء للعرق الخفي من الرياء حتى يتحرك على نفسهحركة خفية فيتقاضى تقاضيا خفيا أن يتكلف سببا يطلع عليه بالتعريض وإلقاء الكلامعرضا وإن كان لا يدعو إلى التصريح وقد يخفى فلا يدعو إلى الإظهار بالنطق تعريضاوتصريحا ولكن بالشمائل كإظهار النحول والصفاروخفض الصوت ويبس الشفتين وجفاف الريق وآثار الدموع وغلبة النعاس الدال على طولالتهجد
وأخفى من ذلكأن يختفي بحيث لا يريد الاطلاع ولا يسر بظهور طاعته ولكنه مع ذلك إذا رأى الناسأحب أن يبدءوه بالسلام وأن يقابلوه بالبشاشة والتوقير وأن يثنوا عليه وأن ينشطوافي قضاء حوائجه وأن يسامحوه في البيع والشراء وأن يوسعوا له في المكان فإن قصر فيهمقصر ثقل ذلك على قلبه ووجد لذلك استبعادا في نفسه كأنه يتقاضى الاحترام مع الطاعةالتي أخفاها مع أنه لم يطلع عليه ولو لم يكن قد سبق منه تلك الطاعة لما كان يستبعدتقصير الناس في حقه ومهما لم يكن وجود العبادة كعدمها في كل ما يتعلق بالخلق لميكن قد قنع بعلم الله ولم يكن خاليا عن شوب خفي من الرياء أخفى من دبيب النمل وكل ذلك يوشك أن يحبط الأجر ولا يسلم منه إلا الصديقون
وقدروي عن علي كرم الله وجهه أنه قال إن الله عز وجل يقول للقراء يوم القيامة ألم يكنيرخص عليكم السعر ألم تكونوا تبتدءون بالسلام ألم تكونوا تقضى لكم الحوائج وفيالحديث لا أجر لكم قد استوفيتم أجوركم
وقالعبد الله بن المبارك روي عن وهب بن منبه أنه قال إن رجلا من السواح قال لأصحابهإنا إنما فارقنا الأموال والأولاد مخافة الطغيان فنخاف أن نكون قد دخل علينا فيأمرنا هذا من الطغيان أكثر مما دخل على أهل الأموال في أموالهم إن أحدنا إذا لقيأحب أن يعظم لمكان دينه وإن سأل حاجة أحب أن تقضى له لمكان دينه وإن اشترى شيئاأحب أن يرخص عليه لمكان دينه فبلغ ذلك ملكهم فركب في موكب من الناس فإذا السهلوالجبل قد امتلأ بالناس فقال السائح ما هذا قيل هذا الملك قد أظللك فقال للغلامائتي بطعام فأتاه ببقل وزيت وقلوب الشجر فجعل يحشو شدقه ويأكل أكلا عنيفا فقالالملك أين صاحبكم فقالوا هذا قال كيف أنت قال كالناس فقال الملك ما عند هذا من خيرفانصرف عنه فقال السائح الحمد لله الذي صرفك عني وأنت لي ذام
فلم يزلالمخلصون خائفين من الرياء الخفي يجتهدون لذلك في مخادعة الناس عن أعمالهم الصالحة يحرصون على إخفائها أعظممما يحرص الناس على إخفاء فواحشهم كل ذلك رجاء أن تخلص أعمالهم الصالحة فيجازيهمالله في القيامة بإخلاصهم على ملأ من الخلق إذ علموا أن الله لا يقبل في القيامةإلا الخالص وعلموا شدة حاجتهم وفاقتهم في القيامة وأنه يوم لا ينفع فيه مال ولابنون ولا يجزي والد عن ولده ويشتغل الصديقون بأنفسهم فيقول كل واحد نفسي نفسي فضلاعن غيرهم
فكانوا كزواربيت الله إذا توجهوا إلى مكة فإنهم يستصحبون مع أنفسهم الذهب المغربي الخالصلعلمهم أن أرباب البوادي لا يروج عندهم الزائف والبهرج والحاجة تشتد في الباديةولا وطن يفزع إليه ولا حميم يتمسك به فلا ينجي إلى الخالص من النقد فكذا يشاهدأرباب القلوب يوم القيامة والزاد الذي يتزودونه له من التقوى
فإذنشوائب الرياء الخفي كثيرة لا تنحصر ومهما أدرك من نفسه تفرقه بين أن يطلع علىعبادته إنسان أو بهيمة ففيه شعبة من الرياء فإنه لما قطع طعمه عن البهائم لم يبالحضره البهائم أو الصبيان الرضع أم غابوا اطلعوا على حركته أم لم يطلعوا فلو كانمخلصا قانعا بعلم الله لاستحقر عقلاء العباد كما استحقر صبيانهم ومجانينهم وعلم أنالعقلاء لا يقدرون له على رزق ولا أجل ولا زيادة ثواب ونقصان عقاب كما لا يقدرعليه البهائم والصبيان والمجانين فإذا لم يجد ذلك ففيه شوب خفي ولكن ليس كل شوبمحبطا للأجر مفسدا للعمل بل فيه تفضيل
فإن قلت فمانرى أحدا ينفك عن السرور إذا عرفت طاعاته فالسرور مذموم كله أو بعضه محمود وبعضهمذموم؟
فنقول أولاكل سرور فليس بمذموم بل السرور منقسم إلى محمود وإلى مذموم فأما المحمود فأربعةأقسام ::
الأول أن يكونقصده إخفاء الطاعة والإخلاص لله ولكن لمااطلع عليه الخلق علم أن الله أطلعهم وأظهر الجميل من أحواله فيستدل به على حسن صنعالله به ونظره إليه وإلطافه به فإنه يستر الطاعة والمعصية ثم الله يستر عليهالمعصية ويظهر الطاعة ولا لطف أعظم من ستر القبيح وإظهار الجميل فيكون فرحه بجميلنظر الله له لا بحمد الناس وقيام المنزلة في قلوبهم وقد قال تعالى قل بفضل الله وبرحمتهفبذلك فليفرحوا فكأنه ظهر لهأنه عند الله مقبول ففرح به
الثاني أنيستدل بإظهار الله الجميل وستره القبيح عليه في الدنيا أنه كذلك يفعل في الآخرةإذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ستر اللهعلى عبد ذنبا في الدنيا إلا ستره عليه في الآخرة حديث ماستر الله على عبد ذنبا في الدنيا إلا ستره عليه في الآخرة أخرجه مسلم من حديث أبيهريرة فيكون الأولفرحا بالقبول في الحال من غير ملاحظة المستقبل وهذا التفات إلى المستقبل
الثالث أن يظنرغبة المطلعين على الاقتداء به في الطاعة فيتضاعف بذلك أجره فيكونله أجر العلانية بما أظهر آخرا وأجر السر بما قصده أولا ومن اقتدى به في طاعة فلهمثل أجر أعمال المقتدين به من غير أن ينقص من أجورهم شيء وتوقع ذلك جدير بأن يكونسبب السرور فإن ظهور مخايل الربح لذيذ وموجب للسرور لا محالة
الرابع أنيحمده المطلعون على طاعته فيفرح بطاعتهم لله في مدحهم وبحبهم للمطيع وبميلقلوبهم إلى الطاعة إذا من أهل الإيمان من يرى أهل الطاعة فيمقته ويحسده أو يذمهويهزأ به أو ينسبه إلى الرياء ولا يحمده عليه فهذا فرح بحسن إيمان عباد اللهوعلامة الإخلاص في هذا النوع أن يكون فرحه بحمده غيره مثل فرحه بحمدهم إياه
وأما المذموموهو الخامس فهو أن يكون فرحه لقيام منزلته في قلوب الناس حتى يمدحوه ويعظموهويقوموا بقضاء حوائجه ويقابلوه بالإكرام في مصادره وموارده فهذا مكروه والله تعالىأعلم.

بيان ما يحبط العمل منالرياء الخفي والجلي وما لا يحبط
فنقولفيه إذا عقد العبد العبادة على الإخلاص ثم ورد عليه وارد الرياء فلا يخلو إما أنيرد عليه بعد فراغه من العمل أو قبل الفراغ
فإنورد بعد الفراغ سرور مجرد بالظهور من غير إظهار فهذا لا يفسد العمل إذ العمل قد تمعلى نعت الإخلاص سالما عن الرياء فما يطرأ بعده فيرجو أن لا ينعطف عليه أثر لاسيما إذا لم يتكلف هو إظهاره والتحدث به ولم يتمن إظهاره وذكره ولكن اتفق ظهورهبإظهار الله ولم يكن منه إلا ما دخل من السرور والارتياح على قلبه نعم لو تم العملعلى الإخلاص من غير عقد رياء ولكن ظهرت له بعده رغبة في الإظهار فتحدث به فهذامخوف وفي الآثار والأخبار ما يدل على أنه يحبط فقد روي عن ابن مسعود أنه سمع رجلايقول قرأت البارحة البقرة فقال ذلك حظه منها
ورويعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل قالله صمت الدهر يا رسول الله فقال له ما صمت ولا أفطرت (1) فقالبعضهم إنما قال ذلك لأنه أظهره وقيل هو إشارة إلى كراهة صوم الدهر وكيفما كانفيحتمل أن يكون ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ابن مسعود استدلالا علىأن قلبه عند العبادة لم يخل عن عقد الرياء وقصده له لما أن ظهر منه التحدث به إذيبعد أن يكون ما يطرأ بعد العمل مبطلا لثواب العمل بل الأقيس أن يقال إنه مثاب علىعمله الذي مضى ومعاقب على مراءاته بطاعة الله بعد الفراغ منها بخلاف ما لو تغيرعقده إلى الرياء قبل الفراغ من الصلاة فإن ذلك قد يبطل الصلاة ويحبط العمل
وأماإذا ورد وارد الرياء قبل الفراغ من الصلاة مثلاوكان قد عقد على الإخلاص ولكن ورد في أثنائها وارد الرياء فلا يخلو إما أن يكونمجرد سرور لا يؤثر في العمل وإما أن يكون رياء باعثا على العمل فإن كان باعثا علىالعمل وختم العبادة به حبط أجره
ومثالهأن يكون في تطوع فتجددت له نظارة أو حضر ملك من الملوك وهو يشتهي أن ينظر إليه أويذكر شيئا نسيه من ماله وهو يريد أن يطلبه ولولا الناس لقطع الصلاة فاستتمها خوفامن مذمة الناس فقد حبط أجره وعليه الإعادة إن كان في فريضة وقد قال صلى الله عليهوسلم العمل كالوعاء إذا طاب آخره طاب أوله (2) أيالنظر إلى خاتمته
وروي أنهمن راءى بعمل ساعة حبط عمله الذي كان قبله(3) وللشيخين منحديث جندب من سمع سمع الله به ومن راءى راءى الله به ورواهمسلم من حديث ابن عباس وهذا منزل على الصلاة في هذه الصورة لا على الصدقة ولا علىالقراءة فإن كل جزء من ذلك مفرد فما يطرأ يفسد الباقي دون الماضي والصوم والحج منقبيل الصلاة
وأماإذا كان وراد الرياء بحيث لا يمنعه من قصد الإتمام لأجلالثواب كما لو حضر جماعة في أثناء الصلاة ففرح بحضورهم وعقد الرياء وقصد تحسينالصلاة لأجل نظرهم وكان لولا حضورهم لكان يتمها أيضا فهذا رياء قد أثر في العملوانتهض باعثا على الحركات فإن غلب حتى انمحق معه الإحساس بقصد العبادة والثوابوصار قصد العبادة مغمورا فهذا أيضا ينبغي أن يفسد العبادة مهما مضى ركن من أركانهاعلى هذا الوجه لأنا نكتفي بالنية السابقة عند الإحرام بشرط أن لا يطرأ عليها مايغلبها ويغمرها
ويحتملأن يقال لا يفسد العبادة نظرا إلى حالة العقد وإلى بقاء قصد أصل الثواب وإن ضعفبهجوم قصد هو أغلب منه ولقد ذهب الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى إلى الإحباط فيأمر هو أهون من هذا وقال: إذا لم يرد إلا مجرد السرور باطلاع الناس يعني سرورا هوكحب المنزلة والجاه قال قد اختلف الناس في هذا :
فصارتفرقة إلى أنه محبط لأنه نقض العزم الأول وركن إلى حمدالمخلوقين ولم يختم عمله بالإخلاص وإنما يتم العمل بخاتمته ثم قال ولا أقطع عليهبالحبط وإن لم يتزيد في العمل ولا آمن عليه وقد كنت أقف فيه لاختلاف الناس والأغلبعلى قلبي أنه يحبط إذا ختم عمله بالرياء
ثمقال فإن قيل قد قال الحسن رحمه الله تعالى إنهما حالتان فإذا كانت الأولى لم تضرهالثانية وقد روي أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يارسول الله أسر العمل لا أحب أن يطلع عليه فيطلع عليه فيسرني قال لك أجران أجر السروأجر العلانية(4) ثم تكلم على الخبر والأثر فقال أما الحسنفإنه أراد بقوله لا يضره أي لا يدع العمل ولا تضره الخطرة وهو يريد الله ولم يقلإذا عقد الرياء بعد عقد الإخلاص لم يضره وأما الحديث فتكلم عليه بكلام طويل يرجعحاصله إلى ثلاثة أوجه :
أحدهاأنه يحتمل أنه أراد ظهور عمله بعد الفراغ وليس في الحديث أنه قبل الفراغ
الثانيأنه أراد أن يسر به للاقتداء به أو لسرور آخر محمود مما ذكرناه قبل لا سرورا بسببحب المحمدة والمنزلة بدليل أنه جعل له به أجرا ولا ذاهب من الأمة إلى أن للسروربالمحمدة أجرا وغايته أن يعفى عنه فكيف يكون للمخلص أجر وللمرائي أجران
والثالثأنه قال أكثر من يروي الحديث يرويه غير متصل إلى أبي هريرة بل أكثرهم يوقفه علىأبي صالح ومنهم من يرفعه فالحكم بالعمومات الواردة في الرياء أولى هذا ما ذكره ولميقطع به بل أظهر ميلا إلى الإحباط والأقيس عندنا أن هذا القدر إذا لم يظهر أثره فيالعمل بل بقي العمل صادرا عن باعث الدين وإنما انضاف إليه السرور بالاطلاع فلايفسد العمل لأنه لم ينعدم به أصل نيته وبقيت تلك النية باعثة على العمل وحاملة علىالإتمام وأما الأخبار التي وردت في الرياء فهي محمولة على ما إذا لم يرد به إلاالخلق وأما ما ورد في الشركة فهو محمول على ما إذا كان قصد الرياء مساويا لقصدالثواب أو أغلب منه أما إذا كان ضعيفا بالإضافة إليه فلا يحبط بالكلية ثواب الصدقةوسائر الأعمال ولا ينبغي أن يفسد الصلاة
ولايبعد أن يقال إن الذي أوجب عليه صلاة خالصة لوجه الله والخالص ما لا يشوبه شيء فلايكون مؤديا للواجب مع هذا الشوب والعلم عند الله فيه وقد ذكرنا في كتاب الإخلاصكلاما أوفى مما أوردناه الآن فليرجع إليه فهذا حكم الرياء الطارئ بعد عقدالعبادةإما قبل الفراغ أو بعد الفراغ القسم الثالث الذي يقارنحال العقد بأن يبتدئ الصلاة على قصد الرياء فإن استمر عليهسلم فلا خلاف في أنه يقضي ولا يعتد بصلاته وإن ندم عليه في أثناء ذلك واستغفر ورجعقبل التمام ففيما يلزمه ثلاثة أوجه :
قالتفرقة لم تنعقد صلاته مع قصد الرياء فليستأنف وقالتفرقة تلزمه إعادة الأفعال كالركوع والسجود وتفسد أفعاله دونتحريمة الصلاة لأن التحريم عقد والرياء خاطر في قلبه لا يخرج التحريم عن كونه عقدا وقالتفرقة لا يلزم إعادة شيء بل يستغفر الله بقلبهويتم العبادة على الإخلاص والنظر إلى خاتمة العبادة كما لو ابتدأ بالإخلاص وختمبالرياء لكان يفسد عمله وشبهوا ذلك بثوب أبيض لطخ بنجاسة عارضة فإذا أزيل العارضعاد إلى الأصل فقالوا إن الصلاة والركوع والسجود لا تكون إلا لله ولو سجد لغيرالله لكان كافرا ولكن اقترن به عارض الرياء ثم زال بالندم والتوبة وصار إلى حالةلا يبالي بحمد الناس وذمهم فتصح صلاته ومذهب الفريقين الآخرين خارج عن قياس الفقهجدا خصوصا من قال يلزمه إعادة الركوع والسجود دون الافتتاح لأن الركوع والسجود إن لميصح صارت أفعالا زائدة في الصلاة فتفسد الصلاة وكذلك قول من يقول لو ختم بالإخلاصصح نظرا إلى الآخر فهو أيضا ضعيف لأن الرياء يقدح في النية وأولى الأوقات بمراعاةأحكام النية حال الافتتاح
فالذييستقيم على قياس الفقه هو أن يقال إن كان باعثهمجرد الرياء في ابتداء العقد دون طلب الثواب وامتثال الأمر لم ينعقد افتتاحه ولميصح ما بعده وذلك فيمن إذا خلا بنفسه لم يصل ولما رأى الناس تحرم بالصلاة وكانبحيث لو كان ثوبه نجسا أيضا كان يصلي لأجل الناس فهذه صلاة لا نية فيها إذالنية عبارة عن إجابة باعث الدين وههنا لا باعث ولاإجابة فأما إذا كان بحيث لولا الناس أيضا لكان يصلي إلا أنه ظهر له الرغبة فيالمحمدة أيضا فاجتمع الباعثان فهذا إما أن يكون في صدقة وقراءة وما ليس فيه تحليلوتحريم أو في عقد صلاة وحج فإن كان في صدقة فقد عصى بإجابة باعث الرياء وأطاعبإجابة باعث الثواب فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرةشرا يره فله ثواب بقدر قصده الصحيح وعقاب بقدر قصدهالفاسد ولا يحبط أحدهما الآخر
وإنكان في صلاة تقبل الفساد بتطرق خلل إلى النية فلا يخلو إما أن تكون فرضا أو نفلافإن كانت نفلا فحكمها أيضا حكم الصدقة فقد عصى من وجه وأطاع من وجه إذ اجتمع فيقلبه الباعثان ولا يمكن أن يقال صلاته فاسدة والاقتداء به باطل حتى إن من صلىالتراويح وتبين من قرائن حاله أن يصده الرياء بإظهار حسن القراءة ولولا اجتماعالناس خلفه وخلا في بيت وحده لما صلى لا يصح الاقتداء به فإن المصير إلى هذا بعيدجدا بل يظن بالمسلم أنه يقصد الثواب أيضا بتطوعه فتصح باعتبار ذلك القصد صلاتهويصح الاقتداء به وإن اقترن به قصد آخر وهو به عاص فأما إذا كان في فرض واجتمعالباعثان وكان كل واحد لا يستقل وإنما يحصل الانبعاث بمجموعهما فهذا لا يسقطالواجب عنه لأن الإيجاب لم ينتهض باعثا في حقه بمجرده واستقلاله وإن كان كل باعثمستقلا حتى لو لم يكن باعث الرياء لأدى الفرائض ولو لم يكن باعث الفرض لأنشأ صلاةتطوعا لأجل الرياء فهذا محل النظر وهو محتمل جدا
فيحتملأن يقال إن الواجب صلاة خالصة لوجه الله ولم يؤد الواجب الخالص ويحتمل أن يقال الواجبامتثال الأمر بباعث مستقل بنفسه وقد وجد فاقتران غيره به لا يمنع سقوط الفرض عنهكما لو صلى في دار مغصوبة فإنه وإن كان عاصيا بإيقاع الصلاة في الدار المغصوبةفإنه مطيع بأصل الصلاة ومسقط للفرض عن نفسه وتعارض الاحتمال في تعارض البواعث فيأصل الصلاة أما إذا كان الرياء في المبادرة مثلادون أصل الصلاة مثل من بادر إلى الصلاة في أول الوقت لحضور جماعة ولو خلا لأخر إلىوسط الوقت ولولا الفرض لكان لا يبتدئ صلاة لأجل الرياء فهذا مما يقطع بصحة صلاتهوسقوط الفرض به لأن باعث أصل الصلاة من حيث إنها صلاة لم يعارضه غيره بل من حيثتعيين الوقت فهذا أبعد من القدح في النية هذا في رياء يكون باعثا على العمل وحاملاعليه وأما مجرد السرور بإطلاع الناس عليه إذالم يبلغ أثره إلى حيث يؤثر في العمل فبعيد أن يفسد الصلاة فهذا ما نراه لائقابقانون الفقه والمسألة غامضة من حيث أن الفقهاء لم يتعرضوا لها في فن الفقه والذينخاضوا فيها وتصرفوا لم يلاحظوا قوانين الفقه ومقتضى فتاوي الفقهاء في صحة الصلاةوفسادها بل حملهم الحرص على تصفية القلوب وطلب الإخلاص على إفساد العبادات بأنالخواطر وما ذكرناه هو الأقصد فيما نراه والعلم عند الله عز وجل فيه وهو عالمالغيب والشهادة وهو الرحمن الرحيم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)حديثقال لرجل قال صمت الدهر قال ما صمت ولا أفطرت أخرجه مسلم من حديث أبي قتادة قالعمر يا رسول الله كيف بمن يصوم الدهر قال لا صام ولا أفطر وللطبراني من حديث أسماءبنت يزيد في أثناء حديث فيه فقال رجل إني صائم قال بعض القوم إنه لا يفطر إنه يصومكل يوم قال النبي صلى الله عليه وسلم لا صام ولا أفطر من صام الأبد ولم أجده بلفظالخطاب
(2)حديثالعمل كالوعاء إذا طاب آخره طالب أوله أخرجه ابن ماجه من حديث معاوية بن أبي سفيانبلفظ إذا طاب أسفله طاب أعلاه وقد تقدم
(3)حديثمن راءى بعمله ساعة حبط عمله الذي كان قبله لم أجده بهذا اللفظ
(4)حديثأن رجلا قال أسر العمل لا أحب أن يطلع عليه فيطلع عليه فيسرني فقال لك أجرانالحديث أخرجه البيهقي في شعب الإيمان من رواية ذكوان عن ابن مسعود ورواه الترمذيوابن حبان من رواية ذكوان عن أبي هريرة الرجل يعمل العمل فيسره فإذا اطلع عليهأعجبه قال له أجر السر والعلانية قال الترمذي غريب وقال إنه روي عن أبي صالح وهوذكر أنه مرسل
بياندواء الرياء وطريق معالجة القلب فيه
قد عرفتمما سبق أن الرياء محبط للأعمال وسبب للمقت عند الله تعالى وأنه من كبائر المهلكاتوما هذا وصفه فجدير بالتشمير عن ساق الجد في إزالته ولو بالمجاهدة وتحمل المشاقفلا شفاء إلا في شرب الأدوية المرة البشعة وهذه مجاهدة يضطر إليها العباد كلهم إذالصبي يخلق ضعيف العقل والتمييز ممتد العين إلى الخلق كثير الطمع فيهم فيرى الناسيتصنع بعضهم لبعض فيغلب عليه حب التصنع بالضرورة ويرسخ ذلك في نفسه وإنما يشعربكونه مهلكا بعد كمال عقله وقد انغرس الرياء في قلبه وترسخ فيه فلا يقدر على قمعهإلا بمجاهدة شديدة ومكابدة لقوة الشهوات فلا ينفك أحد عن الحاجة إلى هذه المجاهدةولكنها تشق أولا وتخف آخرا وفي علاجه مقامان أحدهما قلع عروقه وأصوله التي منهاانشعابه والثاني دفع ما يخطر منه في الحال المقام الأول في قلع عروقه واستئصالأصوله وأصله حب المنزلة والجاه وإذا فضل رجع إلى ثلاثة أصول وهي لذة المحمدةوالفرار من ألم الذم والطمع فيما في أيدي الناس ويشهد للرياء بهذه الأسباب وأنهاالباعثة للمرائي ما روى أبو موسى أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله الرجل يقاتل حديث أبي موسى أن أعرابيا قال يا رسول الله الرجل يقاتلحمية الحديث متفق عليه حمية ومعناه أنه يأنف أن يقهر أو يذم بأنه مقهور مغلوب وقالوالرجل يقاتل ليرى مكانه وهذا هو طلب لذة الجاه والقدر في القلوب والرجل يقاتلللذكر وهذا هو الحمد باللسان فقال صلى الله عليه وسلم من قاتل لتكون كلمة الله هيالعليا فهو في سبيل الله وقال ابن مسعود إذا التقى الصفان نزلت الملائكة فكتبواالناس على مراتبهم فلان يقاتل للذكر وفلان يقاتل للملك والقتال للملك إشارة إلىالطمع في الدنيا وقال عمر رضي الله عنه يقولون فلان شهيد ولعله يكون قد ملأ دفتيراحلته ورقا وقال صلى الله عليه وسلم من غزا لا يبغي إلا عقالا فله ما نوى حديث منغزا لا يبغي إلا عقالا فله ما نوى أخرجه النسائي وقد تقدم فهذا إشارة إلى الطمعوقد لا يشتهي الحمد ولا يطمع فيه ولكن يحذر من ألم الذم كالبخيل بين الأسخياء وهميتصدقون بالمال الكثير فإنه يتصدق بالقليل كي لا يبخل وهو ليس يطمع في الحمد وقدسبقه غيره وكالجبان بين الشجعان لا يفر من الزحف خوفا من الذم وهو لا يطمع فيالحمد وقد هجم غيره على صف القتال ولكن إذا أيس من الحمد كره الذم وكالرجل بين قوميصلون جميع الليل فيصلي ركعات معدودة حتى لا يذم بالكسل وهو لا يطمع في الحمد وقديقدر الإنسان على الصبر عن لذة الحمد ولا يقدر على الصبر على ألم الذم ولذلك قديترك السؤال عن علم هو محتاج إليه خيفة من أن يذم بالجهل ويفتي بغير علم ويدعيالعلم بالحديث وهو به جاهل كل ذلك حذرا من الذم فهذه الأمور الثلاثة هي التي تحركالمرائي إلى الرياء وعلاجه ما ذكرناه في الشطر الأول من الكتاب على الجملة ولكنانذكر الآن ما يخص الرياء وليس يخفى أن الإنسان إنما يقصد الشيء ويرغب فيه لظنه أنهخير له ونافع ولذيذ إما في الحال وإما في المآل فإن علم إنه لذيذ في الحال ولكنهضار في المآل سهل عليه قطع الرغبة عنه كمن يعلم أن العسل لذيذ ولكن إذا بان له أنفيه سما أعرض عنه فكذلك طريق قطع هذه الرغبة أن يعلم ما فيه من المضرة ومهما عرفالعبد مضرة الرياء وما يفوته من صلاح قلبه وما يحرم عنه في الحال من التوفيق وفيالآخرة من المنزلة عند الله وما يتعرض له من العقاب العظيم والمقت الشديد والخزيالظاهر حيث ينادى على رؤوس الخلائق يا فاجر يا غادر يا مرائي أما استحييت إذااشتريت بطاعة الله عرض الدنيا وراقبت قلوب العباد واستهزأت بطاعة الله وتحببت إلىالعباد بالتبغض إلى الله وتزينت لهم بالشين عند الله وتقربت إليهم بالبعد من اللهوتحمدت إليهم بالتذمم عند الله وطلبت رضاهم بالتعرض لسخط الله أما كان أحد أهونعليك من الله فمهما تفكر العبد في هذا الخزي وقابل ما يحصل له من العباد والتزينلهم في الدنيا بما يفوته في الآخرة وبما يحبط من ثواب الأعمال مع أن العمل الواحدربما كان يترجح به ميزان حسناته لو خلص فإذا فسد بالرياء حول إلى كفة السيئاتفترجح به ويهوي إلى النار فلو لم يكن في الرياء إلا إحباط عبادة واحدة لكان ذلككافيا في معرفة ضرره وإن كان مع ذلك سائر حسناته راجحة فقد كان ينال بهذه الحسنةعلو الرتبة عند الله في زمرة النبيين والصديقين وقد حط عنهم بسبب الرياء رد إلى صفالنعال من مراتب الأولياء هذا مع ما يتعرض له في الدنيا من تشتت الهم بسبب ملاحظةقلوب الخلق فإن رضا الناس غاية لا تدرك فكل ما يرضي به فريق يسخط به فريق ورضابعضهم في سخط بعضهم ومن طلب رضاهم في سخط الله سخط الله عليه وأسخطهم أيضا عليه ثمأي غرض له في مدحهم وإيثار ذم الله لأجل حمدهم ولا يزيده حمدهم رزقا ولا أجلا ولاينفعه يوم فقره وفاقته وهو يوم القيامة وأما الطمع فيما في أيديهم فبأن يعلم أنالله تعالى هو المسخر للقلوب بالمنع والإعطاء وأن الخلق مضطرون فيه ولا رازق إلاالله ومن طمع في الخلق لم يخل من الذل والخيبة وإن وصل إلى المراد لم يخل عن المنةوالمهانة فكيف يترك ما عند الله برجاء كاذب ووهم فاسد قد يصيب وقد يخطئ وإذا أصابفلا تفي لذته بألم منثه ومذلته وأما ذمهم فلم يحذر منه ولا يزيده ذمهم شيئا ما لميكتبه عليه الله ولا يعجل أجله ولا يؤخر رزقه ولا يجعله من أهل النار إن كان منأهل الجنة ولا يبغضه إلى الله إن كان محمودا عند الله ولا يزيده مقتا إن كانممقوتا عند الله فالعباد كلهم عجزة لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكونموتا ولا حياتا ولا نشورا فإذا قرر في قلبه آفة هذه الأسباب وضررها فترت رغبتهوأقبل على الله قلبه فإن العاقل لا يرغب فيما يكثر ضرره ويقل نفعه ويكفيه أن الناسلو علموا ما في باطنه من قصد الرياء وإظهار الإخلاص لمقتوه وسيكشف الله عن سره حتىيبغضه إلى الناس ويعرفهم أنه مراء وممقوت عند الله ولو أخلص لله لكشف الله لهمإخلاصه وحببه إليهم وسخرهم له وأطلق ألسنتهم بالمدح والثناء عليه مع أنه لا كمالفي مدحهم ولا نقصان في ذمهم كما قال شاعر بني تميم إن مدحي زين وإن ذمي شين فقالله رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبت ذاك الله الذي لا إله إلا هو حديث قال شاعرمن بني تميم إن مدحي زين وإن ذمي شين فقال كذبت ذاك الله أخرجه أحمد من حديثالأقرع بن حابس وهو قائل ذلك دون قوله كذبت ورجاله ثقات إلا أني لا أعرف لأبي سلمةبن عبد الرحمن سماعا من الأقرع ورواه الترمذي من حديث البراء وحسنه بلفظ فقال رجلإن حمدي إذ لا زين إلا في مدحه ولا شين إلا في ذمه فأي خير لك في مدح الناس وأنتعند الله مذموم ومن أهل النار وأي شر لك من ذم الناس وأنت عند الله محمود في زمرةالمقربين فمن أحضر في قلبه الآخرة ونعيمها المؤبد والمنازل الرفيعة عند اللهاستحقر ما يتعلق بالخلق أيام الحياة مع ما فيه من الكدورات والمنغصات واجتمع همهوانصرف إلى الله قلبه وتخلص من مذلة الرياء ومقاساة قلوب الخلق وانعطف من إخلاصهأنوار على قلبه ينشرح بها صدره وينفتح بها له من لطائف المكاشفات ما يزيد به أنسهبالله ووحشته من الخلق واستحقاره للدنيا واستعظامه للآخرة وسقط محل الخلق من قلبهوانحل عنه داعية الرياء وتذلل له منهج الإخلاص فهذا وما قدمنا في الشطر الأول هيالأدوية العلمية القالعة مغارس الرياء وأما الدواء العملي فهو أن يعود نفسه إخفاءالعبادات وإغلاق الأبواب دونها كما تغلق الأبواب دون الفواحش حتى يقنع قلبه بعلمالله أو إطلاعه على عباداته ولا تنازعنه النفس إلى طلب علم غير الله به وقد روي أنبعض أصحاب أبي حفص الحداد ذم الدنيا وأهلها فقال أظهرت ما كان سبيلك أن تخفيه لاتجالسنا بعد هذا فلم يرخص في إظهار هذا القدر لأن في ضمن ذم الدنيا دعوى الزهدفيها فلا دواء للرياء مثل الإخفاء وذلك يشق في بداية المجاهدة وإذا صبر عليه مدةبالتكلف سقط عنه ثقله وهان عليه ذلك بتواصل ألطاف الله وما يمد به عباده من حسنالتوفيق والتأييد والتسديد و إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم فمنالعبد المجاهدة ومن الله الهداية ومن العبد قرع الباب ومن الله فتح الباب والله لايضيع أجر المحسنين وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما المقام الثاني فيدفع العارض منه في أثناء العبادة وذلك لا بد من تعلمه أيضا فإن من جاهد نفسه وقلعمغارس الرياء من قلبه بالقناعة وقطع الطمع وإسقاط نفسه من أعين المخلوقين واستحقارمدح المخلوقين وذمهم فالشيطان لا يتركه في أثناء العبادات بل يعارضه بخطرات الرياءولا تنقطع عنه نزعاته وهوى النفس وميلها لا ينمحي بالكلية فلا بد وأن يتشمر لدفعما يعرض من خاطر الرياء وخواطر الرياء ثلاثة قد تخطر دفعة واحدة كالخاطر الواحدوقد تترادف على التدريج فالأول العلم باطلاع الخلق ورجاء اطلاعهم ثم يتلوه هيجانالرغبة من النفس في حمدهم وحصول المنزلة عندهم ثم يتلوه هيجان الرغبة في قبولالنفس له والركون إليه وعقد الضمير على تحقيقه فالأول معرفة والثاني حالة تسمىالشهوة والرغبة والثالث فعل يسمى العزم وتصميم العقد وإنما كمال القوة في دفعالخاطر الأول ورده قبل أن يتلوه الثاني فإذا خطر له معرفة اطلاع الخلق أو رجاءاطلاعهم دفع ذلك بأن قال مالك وللخلق علموا أو لم يعلموا والله عالم بحالك فأيفائدة في علم غيره فإن هاجت الرغبة إلى لذة الحمد يذكر ما رسخ في قلبه من قبل منآفة الرياء وتعرضه للمقت عند الله في القيامة وخيبته في أحوج أوقاته إلى أعمالهفكما أن معرفة اطلاع الناس تثير شهوة ورغبة في الرياء فمعرفة آفة الرياء تثيركراهة له تقابل تلك الشهوة إذ يتفكر في تعرضه لمقت الله وعقابه الأليم والشهوةتدعوه إلى القبول والكراهة تدعوه إلى الإباء والنفس تطاوع لا محالة أقواهماوأغلبهما فإذن لا بد في رد الرياء من ثلاثة أمور المعرفة والكراهة والإباء وقديشرع العبد في العبادة على عزم الإخلاص ثم يرد خاطر الرياء فيقبله ولا تحضرهالمعرفة ولا الكراهة التي كان الضمير منطويا عليها وإنما سبب ذلك امتلاء القلببخوف الذم وحب الحمد واستيلاء الحرص عليه بحيث لا يبقى في القلب متسع لغيره فيعزبعن القلب المعرفة السابقة بآفات الرياء وشؤم عاقبته إذ لم يبق موضع في القلب خالعن شهوة الحمد أو خوف الذم وهو كالذي يحدث نفسه بالحلم وذم الغضب ويعزم على التحلمعند جريان سبب الغضب ثم يجري من الأسباب ما يشتد به غضبه فينسى سابقة عزمه ويمتلئقلبه غيظا يمنع من تذكر آفة الغضب ويشغل قلبه عنه فكذلك حلاوة الشهوة تملأ القلبوتدفع نور المعرفة مثل مرارة الغضب وإليه أشار جابر بقوله بايعنا رسول الله صلىالله عليه وسلم تحت الشجرة على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت فأنسيناها يوم حنينحديث جابر بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة على أن لا نفر الحديثأخرجه مسلم مختصرا دون ذكر يوم حنين فرواه مسلم من حديث العباس حتى نودي يا أصحابالشجرة فرجعوا وذلك لأن القلوب امتلأت بالخوف فنسيت العهد السابق حتى ذكروا وأكثرالشهوات التي تهجم فجأة هكذا تكون إذ ينسى معرفة مضرته الداخلة في عقد الإيمانومهما نسي المعرفة لم تظهر الكراهة فإن الكراهة ثمرة المعرفة وقد يتذكر الإنسانفيعلم أن الخاطر الذي خطر له هو خاطر الرياء الذي يعرضه لسخط الله ولكن يستمر عليهلشدة شهوته فيغلب هواه عقله ولا يقدر على ترك لذة الحال فيسوف بالتوبة أو يتشاغلعن التفكر في ذلك لشدة الشهوة فكم من عالم يحضره كلام لا يدعوه إلى فعله إلا رياءالخلق وهو يعلم ذلك ولكنه يستمر عليه فتكون الحجة عليه أوكد إذ قبل داعي الرياء مععلمه بغائلته وكونه مذموما عند الله ولا تنفعه معرفته إذا خلت المعرفة عن الكراهةوقد تحضر المعرفة والكراهة ولكن مع ذلك يقبل داعي الرياء لكون الكراهة ضعيفةبالإضافة إلى قوة الشهوة وهذا أيضا لا ينتفع بكراهته إذ الغرض من الكراهة أن تصرفعن الفعل فإذن لا فائدة إلا في اجتماع الثلاث وهي المعرفة والكراهة والإباءفالإباء ثمرة الكراهة والكراهة ثمرة المعرفة وقوة المعرفة بحسب قوة الإيمان ونورالعلم وضعف المعرفة بحسب الغفلة وحب الدنيا ونسيان الآخرة وقلة التفكر فيما عندالله وقلة التأمل في آفات الحياة الدنيا وعظيم نعيم الآخرة وبعض ذلك ينتج بعضاويثمره وأصل ذلك كله حب الدنيا وغلبة الشهوات فهو رأس كل خطيئة ومنبع كل ذنب لأنحلاوة حب الجاه والمنزلة ونعيم الدنيا هي التي تغضب القلب وتسلبه وتحول بينه وبينالتفكر في العاقبة والاستضاءة بنور الكتاب وألسنة وأنوار العلوم فإن قلت فمن صادفمن نفسه كراهة الرياء وحملته الكراهة على الإباء ولكنه مع ذلك غير خال عن ميلالطبع إليه وحبه له ومنازعته إياه إلا أنه كاره لحبه ولميله إليه وغير محبب إليهفهل يكون في زمرة المرائين فاعلم أن الله لم يكلف العباد إلا ما تطيق وليس في طاقةالعبد منع الشيطان عن نزغاته ولا قمع الطبع حتى لا يميل إلى الشهوات ولا ينزعإليها وإنما غايته أن يقابل شهوته بكراهة استثمارها من معرفة العواقب وعلم الدينوأصول الإيمان بالله واليوم الآخر فإذا فعل ذلك فهو الغاية في آداء ما كلف به ويدلعلى ذلك من الأخبار ما روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شكوا إليهوقالوا تعرض لقلوبنا أشياء لأن تخر من السماء فتخطفنا الطير أو تهوي بنا الريح فيمكان سحيق أحب إلينا من أن نتكلم بها فقال صلى الله عليه وسلم أو قد وجدتموه قالوانعم قال ذلك صريح الإيمان حديث شكوى الصحابة ما يعرض في قلوبهم وقوله ذلك صريحالإيمان أخرجه مسلم من حديث ابن مسعود مختصرا سئل النبي صلى الله عليه وسلم عنالوسوسة فقال ذلك محض الإيمان والنسائي في اليوم الليلة وابن حبان في صحيحه ورواهالنسائي فيه من حديث عائشة ولم يجدوا إلا الوسواس والكراهة له ولا يمكن أن يقالأراد بصريح الإيمان الوسوسة فلم يبق إلا حمله على الكراهة المساوقة للوسوسةوالرياء وإن كان عظيما فهو دون الوسوسة في حق الله تعالى فإذا اندفع ضرر الأعظمبالكراهة فبأن يندفع بها ضرر الأصغر أولى وكذلك يروى عن النبي صلى الله عليه وسلمفي حديث ابن عباس أنه قال الحمد لله الذي رد كيد الشيطان إلى الوسوسة حديث ابنعباس الحمد لله الذي رد كيد الشيطان إلى الوسوسة أخرجه أبو داود والنسائي في اليوموالليلة بلفظ كيده وقال أبو حازم ما كان من نفسك وكرهته نفسك لنفسك فلا يضرك ما هومن عدوك وما كان من نفسك فرضيته نفسك لنفسك فعاتبها عليه فإذن وسوسة الشيطانومنازعة النفس لا تضرك مهما رددت مرادهما بالإباء والكراهة والخواطر التي هيالعلوم والتذكرات والتخيلات للأسباب المهيجة للرياء هي من الشيطان والرغبة والميلبعد تلك الخواطر من النفس والكراهة من الإيمان ومن آثار العقل إلا أن للشيطان ههنامكيدة وهي أنه إذا عجز عن حمله على قبول الرياء خيل إليه أن صلاح قلبه في الاشتغالبمجادلة الشيطان ومطاولته في الرد والجدال حتى يسلبه ثواب الإخلاص وحضور القلب لأنالاشتغال بمجادلة الشيطان ومدافعته انصراف عن سر المناجاة مع الله فيوجب ذلكنقصانا في منزلته عند الله والمتخلصون عن الرياء في دفع خواطر الرياء على أربعمراتب الأولى أن يرده على الشيطان فيكذبه ولا يقتصر عليه بل يشتغل بمجادلته ويطيلالجدال معه لظنه أن ذلك أسلم لقلبه وهو على التحقيق نقصان لأنه اشتغل عن مناجاةالله وعن الخير الذي هو بصدده وانصرف إلى قتال قطاع الطريق والتعريج على قتال قطاعالطريق نقصان في السلوك الثانية أن يعرف أن الجدال والقتال نقصان في السلوك فيقتصرعلى تكذيبه ودفعه ولا يشتغل بمجادلته الثالثة أن لا يشتغل بتكذيبه أيضا لأن ذلكوقفة وإن قلت بل يكون قد قرر في عقد ضميره كراهة الرياء وكذب الشيطان فيستمر علىما كان عليه مستصحبا للكراهة غير مشتغل بالتكذيب ولا بالمخاصمة الرابعة أن يكون قدعلم أن الشيطان سيحسده عند جريان أسباب الرياء فيكون قد عزم على أنه مهما نزعالشيطان زاد فيما هو فيه من الإخلاص والاشتغال بالله وإخفاء الصدقة والعبادة غيظاللشيطان وذلك هو الذي يغيظ الشيطان ويقمعه ويوجب يأسه وقنوطه حتى لا يرجع يروي عنالفضيل بن غزوان أنه قيل له إن فلانا يذكرك فقال والله لأغيظن من أمره قيل ومنأمره قال الشيطان اللهم اغفر له أي لأغيظنه بأن أطع الله فيه ومهما عرف الشيطان منعبد هذه العادة كف عنه خيفة من أن يزيد في حسناته وقال إبراهيم التيمي إن الشيطانليدعو العبد إلى الباب من الإثم فلا يطعه وليحدث عند ذلك خيرا فإذا رآه كذلك تركهوقال أيضا إذا رآك الشيطان مترددا طمع فيك وإذا رآك مداوما ملك وقلاك وضرب الحارثالمحاسبي رحمه الله لهذه الأربعة مثالا أحسن فيه فقال مثالهم كأربعة قصدوا مجلسامن العلم والحديث لينالوا به فائدة وفضلا وهداية ورشدا فحسدهم على ذلك ضال مبتدعوخاف أن يعرفوا الحق فتقدم إلى واحد فمنعه وصرفه عن ذلك ودعاه إلى مجلس ضلال فأبىفلما عرف إباءه شغله بالمجادلة فاشتغل معه ليرد ضلاله وهو يظن أن ذلك مصلحة له وهوغرض الضال ليفوت عليه بقدر تأخره فلما مر الثاني عليه نهاه واستوقفه فوقف فدفع فينحر الضال ولم يشتغل بالقتال واستعجل ففرح منه الضال بقدر توقفه للدفع فيه ومر بهالثالث فلم يلتفت إليه ولم يشتغل بدفعه ولا بقتاله بل استمر على ما كان فخال منهرجاؤه بالكلية فمر الرابع فلم يتوقف له وأراد أن يغيظه فزاد في عجلته وترك التأنيفي المشي فيوشك إن عادوا ومروا عليه مرة أخرى أن يعاود الجميع إلا هذا الأخير فإنهلا يعاوده خيفة من أن يزداد فائدة باستعجاله فإن قلت فإذا كان الشيطان لا تؤمننزغاته فهل يجب الترصد له قبل حضوره للحذر منه انتظارا لوروده أم يجب التوكل علىالله ليكون هو الدافع له أو يجب الاشتغال بالعبادة والغفلة عنه قلنا اختلف الناسفيه على ثلاثة أوجه فذهبت فرقة من أهل البصرة إلى أن الأقوياء قد استغنوا عن الحذرمن الشيطان لأنهم انقطعوا إلى الله واشتغلوا بحبه فاعتزلهم الشيطان وأيس منهم وخنسعنهم كما أيس من ضعفاء العباد في الدعوة إلى الخمر والزنا فصارت ملاذ الدنيا عندهموإن كانت مباحة كالخمر والخنزير فارتحلوا من حبها بالكلية فلم يبق للشيطان إليهمسبيل فلا حاجة بهم إلى الحذر وذهبت فرقة من أهل الشام إلى أن الترصد للحذر منهإنما يحتاج إليه من قل يقينه ونقص توكله فمن أيقن بأن لا شريك لله في تدبيره فلايحذر غيره ويعلم أن الشيطان ذليل مخلوق ليس له أمر ولا يكون إلا ما أراده الله فهوالضار والنافع والعارف يستحي منه أن يحذر غيره فاليقين بالوحدانية يغنيه عن الحذروقالت فرقة من أهل العلم لا بد من الحذر من الشيطان وما ذكره البصريون من أنالأقوياء قد استغنوا عن الحذر وخلت قلوبهم عن حب الدنيا بالكلية فهو وسيلة الشيطانيكاد يكون غرورا إذ الأنبياء عليهم السلام لم يتخلصوا من وسواس الشيطان ونزغاتهفكيف يتخلص غيرهم وليس كل وسواس الشيطان من الشهوات وحب الدنيا بل في صفات اللهتعالى وأسمائه وفي تحسين البدع والضلال وغير ذلك ولا ينجو أحد من الخطر فيه ولذلكقال تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فيأمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته وقال النبي صلى الله عليهوسلم إنه ليغان على قلبي ي حديث إنه ليغان على قلبي تقدم مع أن شيطانه قد أسلم ولايأمره إلا بخير حديث إن شيطانه أسلم فلا يأمر إلا بخير تقدم أيضا فمن ظن أناشتغاله بحب الله أكثر من اشتغال رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياءعليهم السلام فهو مغرور ولم يؤمنهم ذلك من كيد الشيطان ولذلك لم يسلم منه آدموحواء في الجنة التي هي دار الأمن والسرور بعد أن قال الله لهما إن هذا عدو لكولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأفيها ولا تضحى ومع أنه لم ينه إلى عن شجرة واحدة وأطلق له وراء ذلك ما أراد فإذالم يأمن من نبي من الأنبياء وهو في الجنة دار الأمن والسعادة من كيد الشيطان فكيفيجوز لغيره أن يأمن في دار والدنيا وهي منبع المحن والفتن معدن الملاذ والشهواتالمنهي عنها وقال موسى عليه السلام فيما أخبر عنه تعالى هذا من عمل الشيطان ولذلكحذر الله منه جميع الخلق فقال الله تعالى يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرجأبويكم من الجنة وقال عز وجل إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم والقرآن منأوله إلى آخره تحذير من الشيطان فكيف يدع الأمن منه وأخذ الحذر من حيث أمر الله بهلا ينافي الاشتغال بحب الله فإن من الحب له امتثال أمره وقد أمر بالحذر من العدوكما أمر بالحذر من الكفار فقال تعالى وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم وقال تعالى وأعدوالهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل فإذا لزمك بأمر الله الحذر من العدو الكافروأنت تراه فبأن يلزمك الحذر من عدو يراك ولا تراه أولى ولذلك قال ابن محيريز صيدتراه ولا يراك يوشك أن تظفر به وصيد يراك ولا تراه يوشك أن يظفر بك فأشار إلىالشيطان فكيف وليس في الغفلة عن عداوة الكافر إلا قتل هو شهادة وفي إهمال الحذر منالشيطان التعرض للنار والعقاب الأليم فليس من الاشتغال بالله الإعراض عما حذر اللهوبه يبطل مذهب الفرقة الثانية في ظنهم أن ذلك قادح في التوكل فإن أخذ الترسوالسلاح وجمع الجنود وحفر الخندق لم يقدح في توكل رسول الله صلى الله عليه وسلمفكيف يقدح في التوكل الخوف مما خوف الله به والحذر مما أمر بالحذر منه وقد ذكرنافي كتاب التوكل ما يبين غلط من زعم أن معنى التوكل النزوع عن الأسباب بالكليةوقوله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل لا يناقض امتثال التوكلمهما اعتقد القلب أن الضار والنافع والمحيي والمميت هو الله تعالى فكذلك يحذرالشيطان ويعتقد أن الهادي والمضل هو الله ويرى الأسباب وسائط مسخرة كما ذكرناه فيالتوكل وهذا ما اختاره الحارث المحاسبي رحمه الله وهو الصحيح الذي يشهد له نورالعلم وما قبله يشبه أن يكون من كلام العباد الذين لم يغزر علمهم ويظنون أن مايهجم عليهم من الأحوال في بعض الأوقات من الاستغراق بالله يستمر على الدوام وهوبعيد ثم اختلفت هذه الفرقة على ثلاثة أوجه في كيفية الحذر فقال قوم إذا حذرنا اللهتعالى العدو فلا ينبغي أن يكون شيء أغلب في قلوبنا عن ذكره والحذر منه والترصد لهفإنا إن غفلنا عنه لحظة فيوشك أن يهلكنا وقال قوم إن ذلك يؤدي إلى خلو القلب عنذكر الله واشتغال الهم كله بالشيطان وذلك مراد الشيطان منا بل نشتغل بالعبادةوبذكر الله تعالى ولا ننسى الشيطان وعداوته والحاجة إلى الحذر منه فنجمع بينالأمرين فإنا إن نسينا ربما عرض من حيث لا نحتسب وإن تجردنا لذكره كنا قد أهملناذكر الله فالجمع أولى وقال العلماء المحققون غلط الفريقان أما الأول فقد تجرد لذكرالشيطان ونسي ذكر الله فلا يخفى غلطه وإنما أمرنا بالحذر من الشيطان كيلا يصدنا عنالذكر فكيف نجعل ذكره أغلب الأشياء على قلوبنا وهو منتهى ضرر العدو ثم يؤدي ذلكإلى خلو القلب عن نور ذكر الله تعالى فإذا قصد الشيطان مثل هذا القلب وليس فيه نورذكر الله تعالى وقوة الاشتغال به فيوشك أن يظفر به ولا يقوى على دفعه فلم يأمرنابانتظار الشيطان ولا بإدمان ذكره وأما الفرقة الثانية فقد شاركت الأولى إذ جمعت فيالقلب بين ذكر الله والشيطان وبقدر ما يشتغل القلب بذكر الشيطان ينقص من ذكر اللهوقد أمر الله الخلق بذكره ونسيان ما عداه إبليس وغيره فالحق أن يلزم العبد قلبهالحذر من الشيطان ويقرر على نفسه عداوته فإذا اعتقد ذلك وصدق به وسكن الحذر فيهفيشتغل بذكر الله ويكب عليه بكل الهمة ولا يخطر بباله أمر الشيطان فإنه إذا اشتغلبذلك بعد معرفة عداوته ثم خطر الشيطان له تنبه له وعند التنبه يشتغل بدفعهوالاشتغال بذكر الله لا يمنع من التيقظ عند نزغة الشيطان بل الرجل ينام وهو خائفمن أن يفوته مهم عند طلوع الصبح فيلزم نفسه الحذر وينام على أن يتنبه في ذلك الوقتفيتنبه في الليل مرات قبل أوانه لما أسكن في قلبه من الحذر مع أنه بالنوم غافل عنهفاشتغاله بذكر الله كيف يمنع تنبهه ومثل هذا القلب هو الذي يقوى على دفع العدو إذاكان اشتغاله بمجرد ذكر الله تعالى قد أمات منه الهوى وأحيا فيه نور العقل والعلموأماط عنه ظلمة الشهوات فأهل البصيرة أشعروا قلوبهم عداوة الشيطان وترصده وألزموهاالحذر ثم لم يشتغلوا بذكره بل بذكر الله ودفعوا بالذكر شر العدو واستضاءوا بنور الذكرحتى صرفوا خواطر العدو فمثال القلب مثال بئر أريد تطهيرها من الماء القذر ليتفجرمنها الماء الصافي فالمشتغل بذكر الشيطان قد ترك فيها الماء القذر والذي جمع بينذكر الشيطان وذكر الله قد نزح الماء القذر من جانب ولكنه تركه جاريا إليها من جانبآخر فيطول تعبه ولا تجف البئر من الماء القذر والبصير هو الذي جعل لمجرى الماءالقذر سدا وملأها بالماء الصافي فإذا جاء الماء القذر دفعه بالسكر والسد من غيركلفة ومؤنة وزيادة تعب.
بيانالرخصة في قصد إظهار الطاعات
اعلم أنفي الأسرار للأعمال فائدة الإخلاص والنجاة من الرياء وفي الإظهار فائدة والإقتداءوترغيب الناس في الخير ولكن فيه آفة الرياء قال الحسن قد علم المسلمون أن السرأحرز العملين ولكن في الإظهار أيضا فائدة ولذلك أثنى الله تعالى على السروالعلانية فقال إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكموالإظهار قسمان أحدهما في نفس العمل والآخر التحدث بما عمل القسم الأول إظهار نفسالعمل كالصدقة في الملأ لترغيب الناس فيها كما روي عن الأنصاري الذي جاء بالصرةفتتابع الناس بالعطية لما رأوه فقال النبي صلى الله عليه وسلم من سن سنة حسنة فعملبها كان له أجرها وأجر من اتبعه حديث من سن سنة حسنة فعمل بها كان له أجرها وأجرمن اتبعه وفي أوله قصة مسلم من حديث جرير بن عبد الله البيهقي وتجري سائر الأعمالهذا المجرى من الصلاة والصيام والحج والغزو وغيرها ولكن الاقتداء في الصدقة علىالطباع أغلب نعم الغازي إذا هم بالخروج فاستعد وشد الرحل قبل القوم تحريضا لهم علىالحركة فذلك أفضل له لأن الغزو في أصله من أعمال العلانية لا يمكن إسرارهفالمبادرة إليه ليست من الإعلان بل هو تحريض مجرد وكذلك الرجل قد يرفع صوته فيالصلاة بالليل لينبه جيرانه وأهله فيقتدى به فكل عمل لا يمكن إسراره كالحج والجهادوالجمعة فالأفضل المبادرة إليه وإظهار الرغبة فيه للتحريض بشرط أن لا يكون فيهشوائب الرياء وأما ما يمكن إسراره كالصدقة والصلاة فإن كان إظهار الصدقة يؤذيالمتصدق عليه ويرغب الناس في الصدقة فالسر أفضل لأن الإيذاء حرام فإن لم يكن فيهإيذاء فقد اختلف الناس في الأفضل فقال قوم السر أفضل من العلانية وإن كان فيالعلانية قدوة وقال قوم السر أفضل من علانية لا قدوة فيها أما العلانية للقدوةفأفضل من السر ويدل على ذلك أن الله عز وجل أمر الأنبياء بإظهار العمل للاقتداءوخصهم بمنصب النبوة ولا يجوز أن يظن بهم أنهم حرموا أفضل العملين ويدل عليه قولهصلى الله عليه وسلم فله أجرها وأجر من عمل بها وقد روي في الحديث إن عمل السريضاعف على عمل العلانية سبعين ضعفا ويضاعف عمل العلانية إذا استن بعامله على عملالسر سبعين ضعفا حديث إن عمل السر يضاعف على عمل العلانية بسبعين ضعفا ويضاعف عمل العلانيةإذا استن به على عمل السر سبعين ضعفا أخرجه البيهقي في الشعب من حديث أبي الدرداءمقتصرا على الشطر الأول بنحوه وقال هذا من أفراد بقية عن شيوخه المجهولين وقد تقدمقبل هذا بنحو ورقتين وله من حديث ابن عمر عمل السر أفضل من عمل العلانية والعلانيةأفضل لمن أراد الاقتداء وقال تفرد به بقية عن عبد الملك بن مهران وله من حديثعائشة يفضل أو يضاعف الذكرالخفي الذي لا يسمعه الحفظة على الذي تسمعه بسبعين ضعفاوقال تفرد به معاوية بن يحيى الصدفي وهو ضعيف وهذا لا وجه للخلاف فيه فإنه مهماانفك القلب عن شوائب الرياء وتم الإخلاص على وجه واحد في الحالتين فما يقتدى بهأفضل لا محالة وإنما يخاف من ظهور الرياء ومهما حصلت شائبة الرياء لم ينفعه اقتداءغيره وهلك به فلا خلاف في أن السر أفضل منه ولكن على من يظهر العمل وظيفتانإحداهما أن يظهره حيث يعلم أنه يقتدى به أو يظن ذلك ظنا ورب رجل يقتدي به أهله دونجيرانه وربما يقتدي به جيرانه دون أهل السوق وربما يقتدي به أهل محلته وإنماالعالم المعروف هو الذي يقتدي به الناس كافة فغير العالم إذا أظهر بعض الطاعاتربما نسب إلى الرياء والنفاق وذموه ولم يقتدوا به فليس له الإظهار من غير فائدةوإنما يصح الإظهار بنية القدوة ممن هو في محل القدوة على من هو في محل الاقتداء بهوالثانية أن يراقب قلبه فإنه ربما يكون فيه حب الرياء الخفي فيدعوه الإظهار بعذرالاقتداء وإنما شهوته التجمل بالعمل وبكونه يقتدى به وهذا حال كل من يظهر أعمالهإلا الأقوياء المخلصين وقليل ما هم فلا ينبغي أن يخدع الضعيف نفسه بذلك فيهلك وهولا يشعر فإن الضعيف مثاله مثال الغريق الذي يحسن سباحة ضعيفة فنظر إلى جماعة منالغرقى فرحمهم فأقبل عليهم حتى تشبثوا به فهلكوا وهلك والغرق بالماء في الدنياألمه ساعة وليت كان الهلاك بالرياء مثله لا بل عذابه دائم مدة مديدة وهذه مزلةأقدام العباد والعلماء فإنهم يتشبهون بالأقوياء في الإظهار ولا تقوى قلوبهم علىالإخلاص فتحبط أجورهم بالرياء والتفطن لذلك غامض ومحك ذلك أن يعرض على نفسه أنه لوقيل له أخف العمل حتى يقتدي الناس بعابد آخر من أقرانك ويكون لك في السر مثل أجرالإعلان فإن مال قلبه إلى أن يكون هو المقتدى به وهو المظهر للعمل فباعثه الرياءدون طلب الأجر واقتداء الناس به ورغبتهم في الخير فإنهم قد رغبوا في الخير بالنظرإلى غيره وأجره قد توفر عليه مع إسراره فما بال قلبه يميل إلى الإظهار لولاملاحظته لأعين الخلق ومراءاتهم فليحذر العبد خدع النفس فإن النفس خدوع والشيطانمترصد وحب الجاه على القلب غالب وقلما تسلم الأعمال الظاهرة عن الآفات فلا ينبغيأن يعدل بالسلامة شيئا والسلامة في الإخفاء وفي الإظهار من الأخطار ما لا يقوىعليه أمثالنا فالحذر من الإظهار أولى بنا وبجميع الضعفاء القسم الثاني أن يتحدثبما فعله بعد الفراغ وحكمه حكم إظهار العمل نفسه والخطر في هذا أشد لأن مؤنة النطقخفيفة على اللسان وقد تجري في الحكاية زيادة ومبالغة وللنفس لذة في إظهار الدعاويعظيمة إلا أنه لو تطرق إليه الرياء لم يؤثر في إفساد العبادة الماضية بعد الفراغمنها فهو من هذا الوجه أهون والحكم فيه أن من قوي قلبه وتم إخلاصه وصغر الناس فيعينه واستوى عنده مدحهم وذمهم وذكر ذلك عند من يرجو الاقتداء به والرغبة في الخيربسببه فهو جائز بل هو مندوب إليه إن صفت النية وسلمت عن جميع الآفات لأنه ترغيب فيالخير والترغيب في الخير خير وقد نقل مثل ذلك عن جماعة من السلف الأقوياء قال سعدبن معاذ ما صليت صلاة منذ أسلمت فحدثت نفسي بغيرها ولا تبعت جنازة فحدثت نفسي بغيرما هي قائلة وما هو مقول لها وما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول قولا قط إلاعلمت أنه حق وقال عمر رضي الله عنه ما أبالي أصبحت على عسر أو يسر لأني لا أدريأيهما خير لي وقال ابن مسعود ما أصبحت على حال فتمنيت أن أكون على غيرها وقالعثمان رضي الله عنه ما تغنيت ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعت رسول اللهصلى الله عليه وسلم حديث عثمان قوله ما تغنيت ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيميني منذبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث أخرجه أبو يعلى الموصلي في معجمهبإسناد ضعيف من رواية أنس عنه في أثناء حديث وإن عثمان قال يا رسول الله فذكرهبلفظ منذ بايعتك قال هو ذاك يا عثمان وقال شداد بن أوس ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت حتىأزمها وأخطمها غير هذه وكان قد قال لغلامه ائتنا بالسفرة لنبعث بها حتى ندركالغداء وقال أبو سفيان لأهله حين حضره الموت لا تبكوا علي فإني ما أحدثت ذنبا منذأسلمت وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى ما قضى الله في بقضاء قط فسرني أنيكون قضى لي بغيره وما أصبح لي هوى إلا في مواقع قدر الله فهذا كله إظهار لأحوالشريفة وفيها غاية المراءاة إذا صدرت ممن يرائي بها وفيها غاية الترغيب إذا صدرتممن يقتدى به فذلك على قصد الاقتداء جائز للأقوياء بالشروط التي ذكرناها فلا ينبغيأن يسد باب إظهار الأعمال والطباع مجبولة على حب التشبه والاقتداء بل إظهارالمرائي للعبادة إذا لم يعلم الناس أنه رياء فيه خير كثير للناس ولكنه شر للمرائيفكم من مخلص كان سبب إخلاصه الاقتداء بمن هو مراء عند الله وقد روي أنه كان يجتازالإنسان في سكك البصرة عند الصبح فيسمع أصوات المصلين بالقرآن من البيوت فصنفبعضهم كتابا في دقائق الرياء فتركوا ذلك وترك الناس الرغبة فيه فكانوا يقولون ليتذلك الكتاب لم يصنف فإظهار المرائي فيه خير كثير لغيره إذا لم يعرف رياؤه وإن اللهيؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم حديث إن الله ليؤيد هذا الدينبالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم هما حديثان فالأول متفق عليه من حديث أبي هريرةوقد تقدم في العلم والثاني رواه النسائي من حديث أنس بسند صحيح وتقدم أيضا كما وردفي الأخبار وبعض المرائين ممن يقتدى به منهم والله تعالى أعلم.
بيانالرخصة في كتمان الذنوب وكراهة إطلاع الناس عليها وكراهة ذمهم له
اعلم أنالأصل في الإخلاص استواء السريرة والعلانية كما قال عمر رضي الله عنه لرجل عليكبعمل العلانية قال يا أمير المؤمنين وما عمل العلانية قال ما إذا اطلع عليك لمتستحي منه وقال أبو مسلم الخولاني ما عملت عملا أبالي أن يطلع الناس عليه إلاإتياني أهلي والبول والغائط إلا أن هذه درجة عظيمة لا ينالها كل واحد ولا يخلوالإنسان عن ذنوب بقلبه أو بجوارحه وهو يخفيها ويكره اطلاع الناس عليها لا سيما ماتختلج به الخواطر في الشهوات والأماني والله مطلع على جميع ذلك فإرادة العبدلإخفائها عن العبيد ربما يظن أنه رياء محظور وليس كذلك بل المحظور أنه يستر ذلكليرى الناس أنه ورع خائف من الله تعالى مع أنه ليس كذلك فهذا هو ستر المرائي وأماالصادق الذي لا يرائي فله ستر المعاصي ويصح قصده فيه ويصح اغتمامه باطلاع الناسعليه في ثمانية أوجه الأول أن يفرح بستر الله عليه وإذا افتضح اغتم بهتك الله سترهوخاف أن يهتك ستره في القيامة إذ ورد في الخبر أن من ستر الله عليه في الدنيا ذنباستره الله عليه في الآخرة حديث إن من ستر عليه في الدنيا يستر عليه في الآخرة تقدمقبل هذا بورقة وهذا غم ينشأ من قوة الإيمان الثاني أنه قد علم أن الله تعالى يكرهظهور المعاصي ويحب سترها كما قال صلى الله عليه وسلم من ارتكب شيئا من هذهالقاذورات فليستتر بستر الله حديث من ارتكب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بسترالله أخرجه الحاكم في المستدرك وقد تقدم فهو وإن عصى الله بالذنب فلم يخل قلبه عنمحبة ما أحبه الله وهذا ينشأ من قوة الإيمان بكراهة الله لظهور المعاصي وأثر الصدقفيه أن يكره ظهور الذنب من غيره أيضا ويغتم بسببه الثالث أن يكره ذم الناس له بهمن حيث إن ذلك يغمه ويشغل قلبه وعقله عن طاعة الله تعالى فإن الطبع يتأذى بالذموينازع العقل ويشغل عن الطاعة وبهذه العلة أيضا ينبغي أن يكره الحمد الذي يشغله عنذكر الله تعالى ويستغرق قلبه ويصرفه عن الذكر وهذا أيضا من قوة الإيمان إذ صدقالرغبة في فراغ القلب لأجل الطاعة من الإيمان الرابع أن يكون ستره ورغبته فيهلكراهته لذم الناس من حيث يتأذى طبعه فإن الذم مؤلم للقلب كما أن الضرب مؤلم للبدنوخوف تألم القلب بالذم ليس بحرام ولا الإنسان به عاص وإنما يعصي إذا جزعت نفسه منذم الناس ودعته إلى ما لا يجوز حذرا من ذمهم وليس يجب على الإنسان أن لا يغتم بذمالخلق ولا يتألم به نعم كمال الصدق في أن تزول عنه رؤيته للخلق فيستوي عنده ذامه ومادحهلعلمه أن الضار والنافع هو الله وأن العباد كلهم عاجزون وذلك قليل جدا وأكثرالطباع تتألم بالذم لما فيه من الشعور بالنقصان ورب تألم بالذم محمود إذا كانالذام من أهل البصيرة في الدين فإنهم شهداء الله وذمهم يدل على ذم الله تعالى وعلىنقصان في الدين فكيف لا يغتم به نعم الغم المذموم هو أن يغتم لفوات الحمد بالورعكأنه يحب أن يحمد بالورع ولا يجوز أن يحب أن يحمد بطاعة الله فيكون قد طلب بطاعةالله ثوابا من غيره فإن وجد ذلك في نفسه وجب عليه أن يقابله بالكراهة والرد وأماكراهة الذم بالمعصية من حيث الطبع فليس بمذموم فله الستر حذرا من ذلك ويتصور أنيكون العبد بحيث لا يحب الحمد ولكن يكره الذم وإنما مراده أن يتركه الناس حمداوذما فكم من صابر عن لذة الحمد لا يصبر على ألم الذم إذ الحمد بطلب اللذة وعدماللذة لا يؤلم وأما الذم فإنه مؤلم فحب الحمد على الطاعة طلب ثواب على الطاعة فيالحال وأما كراهة الذم على المعصية فلا محذور فيه إلا أمر واحد وهو أن يشغله غمهباطلاع الناس على ذنبه عن اطلاع الله فإن ذلك غاية النقصان في الدين بل ينبغي أنيكون غمه باطلاع الله وذمه له أكثر الخامس أن يكره الذم من حيث إن الذام قد عصىالله تعالى به وهذا من الإيمان وعلامته أن يكره ذمه لغيره أيضا فهذا التوجع لايفرق بينه وبين غيره بخلاف التوجع من جهة الطبع السادس أن يستر ذلك كيلا يقصد بشرإذا عرف ذنبه وهذا وراء ألم الذم فإن الذم مؤلم من حيث يشعر القلب بنقصانه وخستهوإن كان ممن يؤمن شره وقد يخاف شر من يطلع على ذنبه بسبب من الأسباب فله أن يسترذلك حذرا منه السابع مجرد الحياء فإنه نوع ألم وراء ألم الذم والقصد بالشر وهو خلقكريم يحدث في أول الصبا مهما أشرق عليه نور العقل فيستحي من القبائح إذا شوهدت وهومنه وصف محمود إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحياء خير كله حديث الحياءخير كله أخرجه مسلم من حديث عمران بن حصين وقد تقدم صلى الله عليه وسلم وقالالحياء شعبة من الإيمان حديث الحياء شعبة من الإيمان متفق عليه من حديث أبي هريرةوقد تقدم وقال صلى الله عليه وسلم الحياء لا يأتي إلا بخير حديث الحياء لا يأتي إلابخير متفق عليه من حديث عمران بن حصين وقد تقدم وقال صلى الله عليه وسلم إن اللهيحب الحيى الحليم حديث إن الله يحب الحيى الحليم أخرجه الطبراني من حديث فاطمةوللبزار من حديث أبي هريرة إن الله يحب الغني الحليم المتعفف وفيه ليث بن أبي سليممختلف فيه فالذي يفسق ولا يبالي أن يظهر فسقه للناس جمع إلى الفسق والتهتكوالوقاحة وفقد الحياء فهو أشد حالا ممن يستتر ويستحيي إلا أن الحياء ممتزج بالرياءومشتبه به اشتباها عظيما قل من يتفطن له ويدعي كل مراء أنه مستحي وأن سبب تحسينهالعبادات هو الحياء من الناس وذلك كذب بل الحياء خلق ينبعث من الطبع الكريم وتهيجعقبه داعية الرياء وداعية الإخلاص ويتصور أن يخلص معه ويتصور أن يرائي معه وبيانهأن الرجل يطلب من صديق له قرضا ونفسه لا تسخو بإقراضه إلا أنه يستحي من رده وعلمأنه لو راسله على لسان غيره لكان لا يستحيي ولا يقرض رياء ولا لطلب الثواب فله عندذلك أحوال أحدها أن يشافه بالرد الصريح ولا يبالي فينسب إلى قلة الحياء وهذا فعلمن لا حياء له فإن المستحيي إما أن يتعلل أو يقرض فإن أعطى فيتصور له ثلاثة أحوالأحدها أن يمزج الرياء بالحياء بأن يهيج الحياء فيقبح عنده الرد فيهيج خاطر الرياءويقول ينبغي أن تعطي حتى يثنى عليك ويحمدك وينشر اسمك بالسخاء أو ينبغي أن تعطيحتى لا يذمك ولا ينسبك إلى البخل فإذا أعطى فقد أعطى بالرياء وكان المحرك للرياءهو هيجان الحياء الثاني أن يتعذر عليه الرد بالحياء ويبقى في نفسه البخل فيتعذرالإعطاء فيهيج داعي الإخلاص ويقول له إن الصدقة بواحدة والقرض بثمان عشرة ففيه أجرعظيم وإدخال سرور على قلب صديق وذلك محمود عند الله تعالى فتسخو النفس بالإعطاءلذلك فهذا مخلص هيج الحياء إخلاصه الثالث أن لا يكون له رغبة في الثواب ولا خوف منمذمته ولا حب لمحمدته لأنه لو طلبه مراسلة لكان لا يعطيه فأعطاه بمحض الحياء وهوما يجده في قلبه من ألم الحياء ولولا الحياء لرده ولو جاءه من لا يستحي منه منالأجانب أو الأراذل لكان يرده وإن كثر الحمد والثواب فيه فهذا مجرد الحياء ولايكون هذا إلا في القبائح كالبخل ومقارفة الذنوب والمرائي يستحي من المباحات أيضاحتى إنه يرى مستعجلا في المشي فيعود إلى الهدوء أو ضاحكا فيرجع إلى الانقباض ويزعمأن ذلك حياء وهو عين الرياء وقد قيل إن بعض الحياء ضعف وهو صحيح والمراد به الحياءمما ليس بقبيح كالحياء من وعظ الناس وإمامة الناس في الصلاة وهو في الصبيانوالنساء محمود وفي العقلاء غير محمود وقد تشاهد معصية من شيخ فتستحي من شيبته أنتنكر عليه لأن من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم وهذا الحياء حسن وأحسن منه أنيستحي من الله فلا تضيع الأمر بالمعروف فالقوي يؤثر الحياء من الله على الحياء منالناس والضعيف قد لا يقدر عليه فهذه هي الأسباب التي يجوز لأجلها ستر القبائحوالذنوب الثامن أن يخاف من ظهور ذنبه أن يستجرئ عليه غيره ويقتدى به وهذا العلةالواحدة فقط هي الجارية في إظهار الطاعة وهو القدوة ويختص ذلك بالأئمة أو بمنيقتدي به وبهذه العلة ينبغي أيضا أن يخفي العاصي أيضا معصيته من أهله وولده لأنهميتعلمون منه ففي ستر الذنوب هذه الأعذار الثمانية وليس في إظهار الطاعة عذر إلاهذا العذر الواحد ومهما قصد بستر المعصية أن يخيل إلى الناس أنه ورع كان مرائياكما إذا قصد ذلك بإظهار الطاعة فإن قلت فهل يجوز للعبد أن يحب حمد الناس لهبالصلاح وحبهم إياه بسببه وقد قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم دلني على ما يحبني الله عليه ويحبني الناس قال ازهد فيالدنيا يحبك الله وانبذ إليهم هذا الحطام يحبوك حديث قال رجل دلني على ما يحبنيالله عليه ويحبني الناس قال ازهد في الدنيا يحبك الله الحديث أخرجه ابن ماجه منحديث سهل بن سعد بلفظ وازهد فيما في أيدي الناس وقد تقدم فنقول حبك لحب الناس لكقد يكون مباحا وقد يكون محمودا وقد يكون مذموما فالمحمود أن تحب ذلك لتعرف به حبالله لك فإنه تعالى إذا أحب عبدا حببه في قلوب عباده والمذموم أن تحب حبهم وحمدهمعلى حجك وغزوك وصلاتك على طاعة بعينها فإن ذلك طلب عوض على طاعة الله عاجل سوىثواب الله والمباح أن تحب أن يحبوك لصفات محمودة سوى الطاعات المحمودة المعينةفحبك ذلك كحبك المال لأن ملك القلوب وسيلة إلى الأغراض كملك الأموال فلا فرقبينهما

بيان ترك الطاعات خوفا منالرياء ودخول الآفات\
اعلم أن من الناس من يترك العمل خوفا من أن يكونمرائيا به وذلك غلط وموافقة للشيطان بل الحق فيما يترك من الأعمال وما لا يتركلخوف الآفات ما نذكره وهو أن الطاعات تنقسم إلى ما لا لذة في عينه كالصلاةوالصوم والحج والغزو فإنها مقاساة ومجاهدات إنما تصير لذيذة من حيث إنها توصل إلىحمد الناس وحمد الناس لذيذ وذلك عند اطلاع الناس عليه وإلى ما هو لذيذ وهو أكثرمالا يقتصر على البدن بل يتعلق بالخلق كالخلافة والقضاء والولايات والحسبة وإمامةالصلاة والتذكير والتدريس وإنفاق المال على الخلق وغير ذلك مما تعظم الآفة فيهلتعلقه بالخلق ولما فيه من اللذة
القسم الأول
الطاعات اللازمة للبدنالتي لا تتعلق بالغير ولا لذة في عينها كالصوم والصلاة والحج فخطرات الرياء فيهاثلاث:
إحداها مايدخل قبل العمل فيبعث على الابتداء لرؤية الناس وليس معه باعث الدين فهذا مماينبغي أن يترك لأنه معصية لا طاعة فيه فإنه تدرع بصورة الطاعة إلى طلب المنزلة فإنقدر الإنسان على أن يدفع عن نفسه باعث الرياء ويقول لها ألا تستحيين من مولاك لاتسخين بالعمل لأجله وتسخين بالعمل لأجل عباده حتى يندفع باعث الرياء وتسخو النفسبالعمل لله عقوبة للنفس على خاطر الرياء وكفارة له فليشتغل بالعمل
الثانية أنينبعث لأجل الله ولكن يعترض الرياء مع عقد العبادة وأولها فلا ينبغي أن يترك العمللأنه وجد باعثا دينيا فليشرع في العمل وليجاهد نفسه في دفع الرياء وتحسين الإخلاصبالمعالجات التي ذكرناها من إلزام النفس كراهة الرياء والإباء عن القبول
الثالثة أنيعقد على الإخلاص ثم يطرأ الرياء ودواعيه فينبغي أن يجاهد في الدفع ولا يترك العمللكي يرجع إلى عقد الإخلاص ويرد نفسه إليه قهرا حتى يتمم العمل لأن الشيطان يدعوكأولا إلى ترك العمل فإذا لم تجب واشتغلت فيدعوك إلى الرياء فإذا لم تجب ودفعت بقييقول لك هذا العمل ليس بخالص وأنت مراء وتعبك ضائع فأي فائدة لك في عمل لا إخلاصحتى يحملك بذلك على ترك العمل فإذا تركته فقد حصلت غرضه
ومثال من يتركالعلم لخوفه أن يكون مرائيا كمن سلم إليه مولاه حنطة فيها زؤان وقال خلصها منالزؤان ونقها منه تنقية بالغة فيترك أصل العمل يقول أخاف إن اشتغلت به لم تخلصخلاصا صافيا نقيا فترك العمل من أجله هو ترك الإخلاص مع أصل العمل فلا معنى له ومنهذا القبيل أن يترك العمل خوفا على الناس أن يقولوا إنه مراء فيعصون الله به فهذامن مكايد الشيطان لأنه أولا أساء الظن بالمسلمين وما كان من حقه أن يظن بهم ذلك ثمإن كان فلا يضره قولهم ويفوته ثواب العبادة وترك العمل خوفا من قولهم إنه مراء هوعين الرياء فلولا حبه لمحمدتهم وخوفه من ذمهم فماله ولقولهم قالوا إنه مراء أوقالوا إنه مخلص وأي فرق بين أن يترك العمل خوفا من أن يقال إنه مراء وبين أن يحسنالعمل خوفا من أن يقال إنه غافل مقصر بل ترك العمل أشد من ذلك فهذه كلها مكايدالشيطان على العباد الجهال ثم كيف يطمع في أن يتخلص من الشيطان بأن يترك العملوالشيطان لا يخليه بل يقول له الآن يقول الناس إنك تركت العمل ليقال إنه مخلص لايشتهي الشهرة فيضطرك بذلك إلى أن تهرب فإن هربت ودخلت سربا تحت الأرض ألقى في قلبكحلاوة معرفة الناس لتزهدك وهربك منهم وتعظيمهم لك بقلوبهم على ذلك فكيف تتخلص منهبل لا نجاة منه إلا بأن تلزم قلبك معرفة آفة الرياء وهو أنه ضرر في الآخرة ولا نفعفيه في الدنيا ليلزم الكراهة والإباء قلبك وتستمر مع ذلك على العمل ولا تبالي وإننزغ العدو نازغ الطبع فإن ذلك لا ينقطع وترك العمل لأجل ذلك يجر إلى البطالة وتركالخيرات فما دمت تجد باعثا دينيا على العمل فلا تترك العمل وجاهد خاطر الرياءوألزم قلبك الحياء من الله إذا دعتك نفسك إلى أن تستبدل بحمده حمد المخلوقين وهومطلع على قلبك ولو اطلع الخلق على قلبك وأنك تريد حمدهم لمقتوك بل إن قدرت على أنتزيد في العمل حياء من ربك وعقوبة لنفسك فافعل فإن قال لك الشيطان أنت مراء فاعلمكذبه وخدعه بما تصادف في قلبك من كراهة الرياء وإبائه وخوفك منه وحيائك من اللهتعالى وإن لم تجد في قلبك له كراهية ومنه خوفا ولم يبق باعث ديني بل تجرد باعثالرياء فاترك العمل عند ذلك وهو بعيد فمن شرع في العمل لله فلا بد أن يبقى معه أصلقصد الثواب
فإن قلت فقد نقل عن أقوامترك العمل مخافة الشهرة؟ روي أن إبراهيم النخعي دخل عليه إنسان وهو يقرأفأطبق المصحف وترك القراءة وقال لا يرى هذا أنا نقرأ كل ساعة وقال إبراهيم التيميإذا أعجبك الكلام فاسكت وإذا أعجبك السكوت فتكلم وقال الحسن إن كان أحدهم ليمربالأذى ما يمنعه من دفعه إلا كراهة الشهرة وكان أحدهم يأتيه البكاء فيصرفه إلىالضحك مخافة الشهرة وقد ورد في ذلك آثار كثيرة ؟
قلنا هذايعارضه ما ورد من إظهار الطاعات ممن لا يحصى وإظهار الحسن البصري هذا الكلام فيمعرض الوعظ أقرب إلى خوف الشهرة من البكاء وإماطة الأذى عن الطريق ثم لم يتركهوبالجملة ترك النوافل جائز والكلام في الأفضل والأفضل إنما يقدر عليه الأقوياء دونالضعفاء فالأفضل أن يتمم العمل ويجتهد في الإخلاص ولا يتركه وأرباب الأعمال قديعالجون أنفسهم بخلاف الأفضل لشدة الخوف فالاقتداء ينبغي أن يكون بالأقوياء
وأما إطباق إبراهيمالنخعي المصحف فيمكن أن يكون لعلمه بأنه سيحتاج إلى ترك القراءة عند دخولهواستئنافه بعد خروجه للاشتغال بمكالمته فرأى أن لا يراه في القراءة أبعد عن الرياءوهو عازم على الترك للاشتغال به حتى يعود إليه بعد ذلك
وأما ترك دفع الأذى فذلكممن يخاف على نفسه آفة الشهرة وإقبال الناس عليه وشغلهم إياه عن عبادات هي أكبر منرفع خشبة من الطريق فيكون ترك ذلك للمحافظة على عبادات هي أكبر منها لا بمجرد خوفالرياء
وأما قول التيمي إذاأعجبك الكلام فاسكت يجوز أن يكون قد أراد به مباحات الكلام كالفصاحة في الحكاياتوغيرها فإن ذلك يورث العجب وكذلك العجب بالسكوت المباح محذور فهو عدول عن مباح إلىمباح حذرا من العجب
فأما الكلام الحقالمندوب إليه فلم ينص عليه على أن الآفة مما تعظم في الكلام فهو واقع في القسمالثاني وإنما كلامنا في العبادات الخاصة ببدن العبد مما لا يتعلق بالناس ولاتعظم فيه الآفات ثم كلام الحسن في تركهم البكاء وإماطة الأذى لخوف الشهرة ربما كانحكاية أحوال الضعفاء الذين لا يعرفون الأفضل ولا يدركون هذه الدقائق وإنما ذكرهتخويفا للناس من آفة الشهرة وزجرا من طلبها
القسم الثاني
ما يتعلق بالخلق وتعظمفيه الآفات والأخطار وأعظمها الخلافة ثم القضاء ثم التذكير والتدريس والفتوى ثمإنفاق المال
أما الخلافة والإمارةفهي من أفضل العبادات إذا كان ذلك مع العدل والإخلاص وقد قال النبي صلى الله عليهوسلم ليوم من إمام عادل خير من عبادة الرجل وحده ستين عاما(1) فأعظمبعبادة يوازي يوم منها عبادة ستين سنة وقال صلى الله عليه وسلم أول منيدخل الجنة ثلاثة الإمام المقسط (2) أحدهم وقال أبو هريرة قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم ثلاثة لا ترد دعوتهم الإمام العادل وقال صلىالله عليه وسلم أقرب الناس مني مجلسا يوم القيامة إمام عادل (3)فالإمارة والخلافة من أعظم العبادات ولم يزل المتقون يتركونها ويحترزون منهاويهربون من تقلدها وذلك لما فيه من عظم الخطر إذ تتحرك بها الصفات الباطنة ويغلبالنفس حب الجاه ولذة الاستيلاء ونفاذ الأمر وهو أعظم ملاذ الدنيا فإذا صارت الولايةمحبوبة كان الوالي ساعيا في حظ نفسه ويوشك أن يتبع هواه فيمتنع من كل ما يقدح فيجاهه وولايته وإن كان حقا ويقدم على ما يزيد في مكانته وإن كان باطلا وعند ذلكيهلك ويكون يوم من سلطان جائر شرا من فسق ستين سنة بمفهوم الحديث الذي ذكرناه
ولهذا الخطرالعظيم كان عمر رضي الله عنه يقول من يأخذها بما فيها وكيف لا وقد قال النبي صلىالله عليه وسلم ما من والي عشرة إلا جاء يوم القيامة مغلولة يدهإلى عنقه أطلقه عدله أو أوبقه جوره (4) رواه معقل بن يساروولاه عمر ولاية فقال يا أمير المؤمنين أشر علي قال اجلس واكتم علي
وكذلك حديث عبدالرحمن بن سمرة إذ قال له النبي صلى الله عليه وسلم يا عبد الرحمنلا تسأل الإمارة فإنك إن أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها وإن أوتيتها عن مسألةوكلت إليها (5) وقال أبو بكر رضي الله عنه لرافع بن عمر لا تأمر علىاثنين ثم ولي هو الخلافة فقام بها فقال له رافع ألم تقل لي لا تأمر على اثنين وأنتقد وليت أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال بلى وأنا أقول لك ذلك فمن لم يعدلفيها فعليه بهلة الله يعني لعنة الله
ولعل القليل البصيرة يرىما ورد من فضل الإمارة مع ما ورد من النهي عنها متناقضا وليس كذلك بل الحق فيه أنالخواص الأقوياء في الدين لا ينبغي أن يمتنعوا من تقلد الولايات وأن الضعفاء لاينبغي أن يدوروا بها فيهلكوا وأعني بالقوي الذي لا تميله الدنيا ولا يستفزه الطمعولا تأخذه في الله لومة لائم وهم الذين سقط الخلق عن أعينهم وزهدوا في الدنياوتبرموا بها وبمخالطة الخلق وقهروا أنفسهم وملكوها وقمعوا الشيطان فأيس منهمفهؤلاء لا يحركهم إلا الحق ولا يسكنهم إلا الحق ولو زهقت فيهم أرواحهم فهم أهل نيلالفضل في الإمارة والخلافة ومن علم أنه ليس بهذه الصفة فيحرم عليه الخوض فيالولايات ومن جرب نفسه فرآها صابرة على الحق كافة عن الشهوات في غير الولايات ولكنخاف عليها أن تتغير إذا ذاقت لذة الولاية وأن تستحلي الجاه وتستلذ نفاذ الأمرفتكره العزل فيداهن خيفة من العزل فهذا قد اختلف العلماء في أنه هل يلزمه الهرب منتقلد الولاية فقال قائلون لا يجب لأن هذا خوف أمر في المستقبل وهو في الحال لميعهد نفسه إلا قوية في ملازمة الحق وترك لذات النفس
والصحيح أن عليهالاحتراز لأن النفس خداعة مدعية للحق واعدة بالخير فلو وعدت بالخير جزما لكان يخافعليها أن تتغير عند الولاية فكيف إذا أظهرت التردد والامتناع عن قبول الولاية أهونمن العزل بعد الشروع فالعزل مؤلم وهو كما قيل العزل طلاق الرجال فإذا شرع لا تسمحنفسه بالعزل وتميل نفسه إلى المداهنة وإهمال الحق وتهوى به في قعر جهنم ولا يستطيعالنزوع منه إلى الموت إلا أن يعزل قهرا وكان فيه عذاب عاجل على كل محب للولايةومهما مالت النفس إلى طلب الولاية وحملت على السؤال والطلب فهو أمارة الشر ولذلكقال صلى الله عليه وسلم إنا لا نولي أمرنا من سألنا حديث إنا لا نولي أمرنا من سألنا متفق عليه من حديث أبيموسى
فإذا فهمت اختلاف حكمالقوي والضعيف علمت أن نهي أبي بكر رافعا عن الولاية ثم تقلده لها ليس بمتناقضوأما القضاء فهو وإن كان دون الخلافة والإمارة فهو في معناهما فإن كل ذي ولايةأمير أي له أمر نافذ والإمارة محبوبة بالطبع والثواب في القضاء عظيم مع اتباع الحقوالعقاب فيه أيضا عظيم مع العدول عن الحق وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم القضاة ثلاثةقاضيان في النار وقاض في الجنة (6)
وقال صلى الله عليه وسلم من استقضى فقدذبح بغير سكين(7) فحكمه حكم الإمارة ينبغي أن يتركه الضعفاء وكل منللدنيا ولذاتها وزن في عينه وليتقلده الأقوياء الذين لا تأخذهم في الله لومة لائمومهما كان السلاطين ظلمة ولم يقدر القاضي على القضاء إلا بمداهنتهم وإهمال بعضالحقوق لأجلهم ولأجل المتعلقين بهم إذ يعلم أنه لو حكم عليهم بالحق لعزلوه أو لميطيعوه فليس له أن يتقلد القضاء وإن تقلد فعليه أن يطالبهم بالحقوق ولا يكون خوفالعزل عذرا مرخصا له في الإهمال أصلا بل إذا عزل سقطت العهدة عنه فينبغي أن يفرحبالعزل إن كان يقضي لله فإن لم تسمح نفسه بذلك فهو إذن يقضي لاتباع الهوى والشيطانفكيف يرتقب عليه ثوابا وهو مع الظلمة في الدرك الأسفل من النار
وأما الوعظ والفتوىوالتدريس ورواية الحديث وجمع الأسانيد العالية وكل ما يتسع بسببه الجاهويعظم به القدر فآفته أيضا عظيمة مثل آفة الولايات وقد كان الخائفون من السلفيتدافعون الفتوى ما وجدوا إليه سبيلا وكانوا يقولون حدثنا باب من أبواب الدنيا ومنقال حدثنا فقد قال أوسعوا لي ودفن بشر كذا وكذا قمطرا من الحديث وقال يمنعني منالحديث أني أشتهي أن أحدث ولو اشتهيت أن لا أحدث لحدثت
والواعظ يجد في وعظهوتأثر قلوب الناس به وتلاحق بكائهم وزعقاتهم وإقبالهم عليه لذة لا توازيها لذةفإذا غلب ذلك على قلبه مال طبعه إلى كل كلام مزخرف يروج عند العوام وإن كان باطلاويفر عن كل كلام يستثقله العوام وإن كان حقا ويصير مصروف الهمة بالكلية إلى مايحرك قلوب العوام ويعظم منزلته في قلوبهم فلا يسمع حديثا وحكمة إلا ويكون فرحه بهمن حيث إنه يصلح لأن يذكره على رأس المنبر وكان ينبغي أن يكون فرحه به من حيث إنهعرف طريق السعادة وطريق سلوك سبيل الدين ليعمل به أولا ثم يقول إذا أنعم الله بهذهالنعمة ونفعني بهذه الحكمة فأقصها ليشاركني في نفعها إخواني المسلمون فهذا أيضامما يعظم فيه الخوف والفتنة فحكمه حكم الولايات فمن لا باعث له إلا طلب الجاهوالمنزلة والأكل بالدين والتفاخر والتكاثر فينبغي أن يتركه ويخالف الهوى فيه إلىأن ترتاض نفسه وتقوى في الدين همته ويأمن على نفسه الفتنة فعند ذلك يعود إليه
فإن قلت مهما حكم بذلكعلى أهل العلم تعطلت العلوم واندرست وعم الجهل كافة الخلق ؟؟فنقول قد نهىرسول الله صلى الله عليه وسلم عن طلب الإمارة وتوعد عليها حتىقال إنكم تحرصون على الإمارة وإنها حسرةوندامة يوم القيامة إلا من أخذها بحقها (8)
وقال نعمتالمرضعة وبئست الفاطمة (9) ومعلوم أن السلطنة والإمارة لو تعطلت لبطلالدين والدنيا جميعا وثار القتال بين الخلق وزال الأمن وخربت البلاد وتعطلتالمعايش فلم نهي عنها مع ذلك؟
وضرب عمر رضي اللهعنه أبي بن كعب رأى قوما يتبعونه وهو في ذلك يقول أبي سيد المسلمين وكان يقرأ عليهالقرآن فمنع من أن يتبعوه وقال ذلك فتنة على المتبوع ومذلة على التابع وعمر كانبنفسه يخطب ويعظ ولا يمتنع منه
واستأذن رجل عمرأن يعظ الناس إذا فرغ من صلاة الصبح فمنعه فقال أتمنعني من نصح الناس فقال أخشى أنتنتفخ حتى تبلغ الثريا إذ رأى فيه مخايل الرغبة في جاه الوعظ وقبول الخلق والقضاءوالخلافة مما يحتاج الناس إليه في دينهم كالوعظ والتدريس والفتوى وفي كل واحدمنهما فتنة ولذة فلا فرق بينهما
فأما قول القائل نهيك عنذلك يؤدي إلى اندراس العلم فهو غلط إذ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلمعن القضاء لم يؤد إلى تعطيل القضاء (10) بل الرياسةوحبهايضطر الخلق إلى طلبها وكذلك حب الرياسة لا يترك العلوم تندرس بل لو حبس الخلقوقيدوا بالسلاسل والأغلال من طلب العلوم التي فيها القبول والرياسة لأفلتوا منالحبس وقطعوا السلاسل وطلبوها وقد وعد الله أن يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهمفلا تشغل قلبك بأمر الناس فإن الله لا يضيعهم وانظر لنفسك
ثم إني أقول مع هذا إذاكان في البلد جماعة يقومون بالوعظ مثلا فليس في النهي عنه إلا امتناع بعضهم وإلافليعلم أن كلهم لا يمتنعون ولا يتركون لذة الرياسة فإن لم يكن في البلد إلا واحدوكان وعظه نافعا للناس من حيث حسن كلامه وحسن سمعته في الظاهر وتخييله إلى العوامأنه إنما يريد الله بوعظه وأنه تارك للدنيا ومعرض عنها فلا نمنعه منه ونقول لهاشتغل وجاهد نفسك فإن قال لست أقدر على نفسي فنقول اشتغل وجاهد لأنا نعلم أنه لوترك ذلك لهلك الناس كلهم إذ لا قائم به غيره ولو واظب وغرضه الجاه فهو الهالك وحدهوسلامة دين الجميع أحب عندنا من سلامة دينه وحده فنجعله فداء للقوم ونقول لعل هذاهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يؤيد هذاالدين بأقوام لا خلاق لهم(11)
ثم الواعظ هو الذي يرغبفي الآخرة ويزهد في الدنيا بكلامه وبظاهر سيرته فأما ما أحدثه الوعاظ في هذهالأعصار من الكلمات المزخرفة والألفاظ المسجعة المقرونة بالأشعار مما ليس فيهتعظيم لأمر الدين وتخويف المسلمين بل فيه الترجية والتجرئة على المعاصي بطياراتالنكت فيجب إخلاء البلاد منهم فإنهم نواب الدجال وخلفاء الشيطان وإنما كلامنا فيواعظ حسن الوعظ جميل الظاهر يبطن في نفسه حب القبول ولا يقصد غيره
وفيما أوردناه فيكتاب العلم من الوعيد الوارد في حق علماء السوء ما يبين لزوم الحذر من فتن العلموغوائله
فإن قلت فهذهالآفات ظاهرة ولكن ورد في العلم والوعظ رغائب كثيرة حتى قال رسول الله صلى اللهعليه وسلم لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من الدنيا وما فيها(12) وقالصلى الله عليه وسلم أيما داع دعا إلى هدى واتبع عليه كان لهأجره وأجر من اتبعه (13)إلى غير ذلك من فضائل العلم فينبغي أن يقالللعالم اشتغل بالعلم واترك مراءاة الخلق كما يقال لمن خالجه الرياء في الصلاة لاتترك العمل ولكن أتمم العمل وجاهد نفسك؟؟
فاعلم أن فضلالعلم كبير وخطره عظيم كفضل الخلافة والإمارة ولا نقول لأحد من عباد الله اتركالعلم إذ ليس في نفس العلم آفة وإنما الآفة في إظهاره بالتصدي للوعظ والتدريس وروايةالحديث ولا نقول له أيضا اتركه ما دام يجد في نفسه باعثا دينيا ممزوجا بباعثالرياء أما إذا لم يحركه إلا الرياء فترك الإظهار أنفع له وأسلم وكذلك نوافلالصلوات إذا تجرد فيها باعث الرياء وجب تركها أما إذا خطر له وساوس الرياء فيأثناء الصلاة وهو لها كاره فلا يترك الصلاة لأن آفة الرياء في العبادات ضعيفةوإنما تعظم في الولايات وفي التصدي للمناصب الكبيرة في العلم وبالجملة فالمراتبثلاث::
الأولى الولايات
والآفات فيها عظيمة وقدتركها جماعة من السلف خوفا من الآفة
الثانية الصوم الصلاةوالحج والغزو
وقد تعرض لها أقوياءالسلف وضعفاؤهم ولم يؤثر عنهم الترك لخوف الآفة وذلك لضعف الآفات الداخلة فيهاوالقدرة على نفيها مع إتمام العمل لله بأدنى قوة
الثالثة وهي متوسطة بينالرتبتين وهو التصدي لمنصب الوعظ والفتوى والرواية والتدريس والآفات فيهاأقل مما في الولايات وأكثر مما في الصلاة فالصلاة ينبغي أن لا يتركها الضعيفوالقوي ولكن يدفع خاطر الرياء والولايات ينبغي أن يتركها الضعفاء رأسا دونالأقوياء ومناصب العلم بينهما ومن جرب آفات منصب العلم علم أنه بالولاة أشبه وأنالحذر منه في حق الضعيف أسلم والله أعلم
وهنا رتبة رابعة وهي جمع المالوأخذه للتفرقة على المستحقين فإن في الإنفاق وإظهار السخاء استجلابا للثناء وفيإدخال السرور على قلوب الناس لذة للنفس والآفات فيها أيضا كثيرة ولذلك سئل الحسنعن رجل طلب القوت ثم أمسك وآخر طلب فوق قوته ثم تصدق به فقال القاعد أفضل لمايعرفون من قلة السلامة في الدنيا وأن من الزهد تركها قربة إلى الله تعالى وقال أبوالدرداء ما يسرني أنني أقمت على درج مسجد دمشق أصيب كل يوم خمسين دينارا أتصدق بهاأما إني لا أحرم البيع والشراء ولكني أريد أن أكون من الذين لا تلهيهم تجارة ولابيع عن ذكر الله
وقد اختلف العلماء فقالقوم إذا طلب الدنيا من الحلال وسلم منها وتصدق بها فهو أفضل من أن يشتغل بالعباداتوالنوافل وقال قوم الجلوس في دوام ذكر الله أفضل والأخذ والإعطاء يشغل عن الله وقدقال المسيح عليه السلام يا طالب الدنيا ليبر بها تركك لها أبر وقال أقل ما فيه أنيشغله إصلاحه عن ذكر الله وذكر الله أكبر وأفضل وهذا فيمن سلم من الآفات
فأما من يتعرضلآفة الرياء فتركه لها أبر والاشتغال بالذكر لا خلاف في أنه أفضل وبالجملة مايتعلق بالخلق وللنفس فيه لذة فهو مثار الآفات والأحب أن يعمل ويدفع الآفات فإن عجزفلينظر وليجتهد وليستفت قلبه وليزن ما فيه من الخير بما فيه من الشر وليفعل ما يدلعليه نور العلم دون ما يميل إليه الطبع وبالجملة ما يجده أخف على قلبه فهو فيالأكثر أضر عليه لأن النفس لا تشير إلا بالشر وقلما تستلذ الخير وتميل إليه وإنكان لا يبعد ذلك أيضا في بعض الأحوال وهذه أمور لا يمكن الحكم على تفاصيلها بنفيوإثبات فهو موكول إلى اجتهاد القلب لينظر فيه لدينه ويدع ما يريبه إلى مالا يريبهثم قد يقع مما ذكرناه غرور للجاهل فيمسك المال ولا ينفقه خيفة من الآفة وهو عينالبخل ولا خلاف في أن تفرقة المال في المباحات فضلا عن الصدقات أفضل من إمساكه
وإنما الخلاف فيمن يحتاجإلى الكسب أن الأفضل الكسب والإنفاق أو التجرد للذكر وذلك لما في الكسب من الآفاتفأما المال الحاصل من الحلال فتفرقته أفضل من إمساكه بكل حال
فإن قلت فبأيعلامة تعرف العالم والواعظ أنه صادق مخلص في وعظه غير مريد رياء الناس ؟
فاعلم أن لذلك علامات:
إحداها أنه لوظهر من هو أحسن منه وعظا أو أغزر منه علما والناس له أشد قبولا فرح به ولم يحسدهنعم لا بأس بالغبطة وهو أن يتمنى لنفسه مثل علمه
والأخرى أنالأكابر إذا حضروا مجلسه لم يتغير كلامه بل بقي كما كان عليه فينظر إلى الخلق بعينواحدة
والأخرى أن لايحب اتباع الناس له في الطريق والمشي خلفه في الأسواق ولذلك علامات كثيرة يطولإحصاؤها
وقد روي عن سعيد بن أبيمروان قال كنت جالسا إلى جنب الحسن إذ دخل علينا الحجاج من بعض أبواب المسجد ومعهالحرس وهو على برذون أصفر فدخل المسجد على برذونه فجعل يلتفت في المسجد فلم يرىحلقة أحفل من خلقه الحسن فتوجه نحوها حتى بلغ قريبا منها ثم ثنى وركه فنزل ومشىنحو الحسن فلما رآه الحسن متوجها إليه تجافى له عن ناحية مجلسه قال سعيد وتجافيتله أيضا عن ناحية مجلسي حتى صار بيني وبين الحسن فرجة ومجلس للحجاج فجاء الحجاجحتى جلس بيني وبينه والحسن يتكلم بكلام له يتكلم به في كل يوم فما قطع الحسن كلامهقال سعيد فقلت في نفسي لأبلون الحسن اليوم ولأنظرن هل يحمل الحسن جلوس الحجاج إليهأن يزيد في كلامه يتقرب إليه أو يحمل الحسن هيبة الحجاج أن ينقص من كلامه فتكلمالحسن كلاما واحدا نحوا مما كان يتكلم به في كل يوم حتى انتهى إلى آخر كلامه فلمافرغ الحسن من كلامه وهو غير مكترث به رفع الحجاج يده فضرب بها على منكب الحسن ثمقال صدق الشيخ وبر فعليكم بهذه المجالس وأشباهها فاتخذوها حلقا وعادة فإنه بلغنيعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مجالس الذكر رياض الجنة ولولاما حملناه من أمر الناس ما غلبتمونا على هذه المجالس لمعرفتنا بفضلها
قال ثم افترالحجاج فتكلم حتى عجب الحسن ومن حضر من بلاغته فلما فرغ طفق فقام فجاء رجل من أهلالشام إلى مجلس الحسن حين قام الحجاج فقال عباد الله المسلمين ألا تعجبون أني رجلشيخ كبير وأني أغزو فأكلف فرسا وبغلا وأكلف فسطاطا وأن لي ثلثمائة درهم من العطاءوأن لي سبع بنات من العيال فشكا من حاله حتى رق الحسن له ولأصحابه والحسن مكب فلمافرغ الرجل من كلامه رفع الحسن رأسه فقال ما لهم قاتلهم الله اتخذوا عباد الله خولاومال الله دولا وقتلوا الناس على الدينار والدرهم فإذا غزا عدو الله غزا فيالفساطيط الهبابة وعلى البغال السباقة وإذا أغزى أخاه أغزاه طاويا راجلا فما فترالحسن حتى ذكرهم بأقبح العيب وأشده فقام رجل من أهل الشام كان جالسا إلى الحسنفسعى به إلى الحجاج وحكى له كلامه فلم يلبث الحسن أن أتته رسل الحجاج فقالوا أجبالأمير فقام الحسن وأشفقنا عليه من شدة كلامه الذي تكلم به فلم يلبث الحسن أن رجعإلى مجلسه وهو يبتسم وقلما رأيته فاغرا فاه يضحك إنما كان يتبسم فأقبل حتى قعد فيمجلسه فعظم الأمانة وقال إنما تجالسون بالأمانة كأنكم تظنون أن الخيانة ليست إلافي الدينار والدرهم إن الخيانة أشد الخيانة أن يجالسنا الرجل فنطمئن إلى جانبه ثمينطلق فيسعى بنا إلى شرارة من نار إني أتيت هذا الرجل فقال أقصر عليك من لسانكوقولك إذا غزا عدو الله غزا كذا وكذا وإذا أغزى أخاه أغزاه كذا لا أبالك تحرضعلينا الناس أما إنا على ذلك لانتهم نصيحتك فأقصر عليك من لسانك قال فدفعه اللهعني وركب الحسن حمارا يريد المنزل فبينما هو يسير إذا التفت فرأى قوما يتبعونهفوقف فقال هل لكم من حاجة أو تسألون عن شيء وإلا فارجعوا فما يبقى هذا من قلبالعبد
فبهذه العلاماتوأمثالها تتبين سريرة الباطن ومهما رأيت العلماء يتغايرون ويتحاسدون ولا يتوانسونولا يتعاونون فاعلم أنهم قد اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فهم الخاسرون اللهمارحمنا بلطفك يا أرحم الراحمين.
ــــــــــــــــــــــــــ
(1)حديث ليوم من إمامعادل خير من عبادة الرجل وحده ستين عاما الحديث أخرجه الطبراني والبيهقي من حديثابن عباس وقد تقدم
(2)حديث أول من يدخلالجنة ثلاثة الإمام المقسط الحديث أخرجه مسلم من حديث عياض بن حماد أهل الجنة ثلاثذو سلطان مقسط الحديث ولم أر فيه ذكر الأولية
(3)حديث أبي سعيد الخدريأقرب الناس مني مجلسا يوم القيامة إمام عادل أخرجه الأصبهاني في الترغيب والترهيبمن رواية عطية العوفي وهو ضعيف عنه وفيه أيضا إسحاق بن إبراهيم الديباجي ضعيف أيضارواه أبو سعيد الخدري
(4)حديث ما من والي عشرةإلا جاء يوم القيامة يده مغلولة إلى عنقه لا يفكها إلا عدله أخرجه أحمد من حديثعبادة بن الصامت ورواه أحمد والبزار من رواية رجل لم يسم عن سعد بن عبادة وفيهمايزيد بن أبي زياد متكلم فيه ورواه أحمد والبزار وأبو يعلى والطبراني في الأوسط منحديث أبي هريرة ورواه البزار والطبراني من حديث أبي هريرة ورواه البزار والطبرانيمن حديث بريدة والطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس وثوبان وله من حديث أبيالدرداء ما من والي ثلاثة إلا لقي الله مغلولة يمينه الحديث وقد عزى المصنف هذاالحديث لرواية معقل بن يسار والمعروف من حديث معقل بن يسار ما من عبد يسترعيه اللهرعية لم يحطها بنصيحة إلا لم يرح رائحة الجنة متفق عليه
(5)حديث عبد الرحمن بنسمرة لا تسل الإمارة الحديث متفق عليه
(6)حديث القضاة ثلاثةالحديث أخرجه أصحاب السنن من حديث بريدة وتقدم في العلم وإسناده صحيح
(7)حديث من استقضى فقدذبح بغير سكين أخرجه أصحاب السنن من حديث أبي هريرة بلفظ من جعل قاضيا وفي روايةمن ولى القضاء وإسناده صحيح
(8)حديث إنكم تحرصون علىالإمارة وإنها حسرة يوم القيامة وندامة إلا من أخذها بحقها أخرجه البخاري من حديثأبي هريرة دون قوله إلا من أخذها بحقها وزاد في آخره فنعمت المرضعة وبئستالفاطمة ودون قوله حسرة وهي في صحيح ابن حبان
(9)حديث نعمت المرضعةوبئست الفاطمة أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة وهو بقية الحديث الذي قبله ورواهابن حبان بلفظ فبئست المرضعة وبئست الفاطمة
(10)حديث النهي عن القضاءأخرجه مسلم من حديث أبي ذر لا تؤمرن على اثنين ولا تلين مال يتيم
(11)حديث إن الله يؤيدهذا الدين بأقوام لا خلاق لهم أخرجه النسائي وقد تقدم قريبا
(12)حديث لأن يهدي اللهبك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها متفق عليه من حديث سهل بن سعد بلفظ خيرلك من حمر النعم وقد تقدم في العلم
(13)حديث أيما داع دعاإلى هدى واتبع عليه كان له أجره وأجر من اتبعه أخرجه ابن ماجه من حديث أنس بزيادةفي أوله ولمسلم من حديث أبي هريرة من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور منتبعه الحديث
بيان مايصح من نشاط العبد للعبادة بسبب رؤية الخلق وما لا يصح
اعلم أنالرجل قد يبيت مع القوم في موضع فيقومون للتهجد أو يقوم بعضهم فيصلون الليل كله أوبعضه وهو ممن يقوم في بيته ساعة قريبة فإذا رآهم انبعث نشاطه للموافقة حتى يزيد علىما كان يعتاده أو يصلي مع أنه كان لا يعتاد الصلاة بالليل أصلا وكذلك قد يقع في موضعيصوم فيه أهل الموضع فينبعث له نشاط في الصوم ولولاهم لما انبعث هذا النشاط فهذا ربمايظن أنه رياء وأن الواجب ترك الموافقة وليس كذلك على الإطلاق بل له تفصيل لأن كل مؤمنراغب في عبادة الله تعالى وفي قيام الليل وصيام النهار ولكن قد تعوقه العوائق ويمنعهالاشتغال ويغلبه التمكن من الشهوات أو تستهويه الغفلة فربما تكون مشاهدة الغير سببزوال الغفلة أو تندفع العوائق والأشغال في بعض المواضع فينبعث له النشاط فقد يكون الرجلفي منزله فتقطعه الأسباب عن التهجد مثل تمكنه من النوم على فراش وثير أو تمكنه من التمتعبزوجته أو المحادثة مع أهله وأقاربه أو الاشتغال بأولاده أو مطالعة حساب له مع معامليهفإذا وقع في منزل غريب اندفعت عنه هذه الشواغل التي تفتد رغبته عن الخير وحصلت له أسبابباعثة على الخير كمشاهدته إياهم وقد أقبلوا على الله وأعرضوا عن الدنيا فإنه ينظر إليهمفينافسهم ويشق عليه أن يسبقوه بطاعة الله فتتحرك داعيته للدين لا للرياء أو ربما يفارقهالنوم لاستنكاره الموضع أو سبب آخر فيغتنم زوال النوم وفي منزله ربما يغلبه النوم وربماينضاف إليه أنه في منزله على الدوام والنفس لا تسمح بالتهجد دائما وتسمح بالتهجد وقتاقليلا فيكون ذلك سبب هذا النشاط مع اندفاع سائر العوائق وقد يعسر عليه الصوم في منزلهومعه أطايب الأطعمة ويشق عليه الصبر عنها فإذا أعوزته تلك الأطعمة لم يشق عليه فتنبعثداعية الدين للصوم فإن الشهوات الحاضرة عوائق ودوافع تغلب باعث الدين فإذا سلم منهاقوي الباعث فهذا وأمثاله من الأسباب يتصور وقوعه ويكون السبب فيه مشاهدة الناس وكونهمعهم والشيطان مع ذلك ربما يصد عن العمل ويقول لا تعمل فإنك تكون مرائيا إذا كنت لاتعمل في بيتك ولا تزد على صلاتك المعتادة وقد تكون رغبته في الزيادة لأجل رؤيتهم وخوفامن ذمهم ونسبتهم إياه إلى الكسل لا سيما إذا كانوا يظنون به أنه يقوم الليل فإن نفسهلا تسمح بأن يسقط من أعينهم فيريد أن يحفظ منزلته وعند ذلك قد يقول الشيطان صل فإنكمخلص ولست تصلي لأجلهم بل لله وإنما كنت لا تصلي كل ليلة لكثرة العوائق وإنما داعيتكلزوال العوائق لا لاطلاعهم وهذا أمر مشتبه إلا على ذوي البصائر فإذا عرف أن المحركهو الرياء فلا ينبغي أن يزيد على ما كان يعتاده ولا ركعة واحدة لأنه يعصي الله بطلبمحمدة الناس بطاعة الله وإن كان انبعاثه لدفع العوائق وتحرك الغبطة والمنافسة بسببعبادتهم فليوافق وعلامة ذلك أن يعرض على نفسه أنه لو رأى هؤلاء يصلون من حيث لا يرونهبل من وراء حجاب وهو في ذلك الموضع بعينه هل كانت نفسه تسخو بالصلاة وهم لا يرونه فإنسخت نفسه فليصل فإن باعثه الحق وإن كان ذلك يثقل على نفسه لو غاب عن أعينهم فليتركفإن باعثه الرياء وكذلك قد يحضر الإنسان يوم الجمعة في الجامع من نشاط الصلاة ما لايحضره كل يوم ويمكن أن يكون ذلك لحب حمدهم ويمكن أن يكون نشاطه بسبب نشاطهم وزوال غفلتهبسبب إقبالهم على الله تعالى وقد يتحرك بذلك باعث الدين ويقارنه نزوع النفس إلى حبالحمد فمهما علم أن الغالب على قلبه إرادة الدين فلا ينبغي أن يترك العمل بما يجدهمن حب الحمد بل ينبغي أن يرد ذلك على نفسه بالكراهية ويشتغل بالعبادة وكذلك قد يبكيجماعة فينظر إليهم فيحضره البكاء خوفا من الله تعالى لا من الرياء ولو سمع ذلك الكلاموحده لما بكى ولكن بكاء الناس يؤثر في ترقيق القلب وقد لا يحضره البكاء فيتباكى تارةرياء وتارة مع الصدق إذ يخشى على قلبه قساوة القلب حين يبكون ولا تدمع عينه فيتباكىتكلفا وذلك محمود وعلامة الصدق فيه أن يعرض على نفسه أنه لو سمع بكاءهم من حيث لا يرونههل كان يخاف على نفسه القساوة فيتباكى أم لا فإن لم يجد ذلك عند تقدير الاختفاء عنأعينهم فإنما خوفه من أن يقال إنه قاسي القلب فينبغي أن يترك التباكي قال لقمان عليهالسلام لابنه لا ترى الناس أنك تخشى ليكرموك وقلبك فاجر وكذلك الصيحة والتنفس والأنينعند القرآن أو الذكر أو بعض مجاري الأحوال تارة تكون من الصدق والحزن والخوف والندموالتأسف وتارة تكون لمشاهدته حزن غيره وقساوة قلبه فيتكلف التنفس والأنين ويتحازن وذلكمحمود وقد تقترن به الرغبة فيه لدلالته على أنه كثير الحزن ليعرف بذلك فإن تجردت هذهالداعية فهي الرياء وإن اقترنت بداعية الحزن فإن أباها ولم يقبلها وكرهها سلم بكاؤهوتباكيه وإن قبل ذلك وركن إليه بقلبه حبط أجره وضاع سعيه وتعرض لسخط الله تعالى بهوقد يكون أصل الأنين عن الحزن ولكن يمده ويزيد في رفع الصوت فتلك الزيادة رياء وهومحظور لأنها في حكم الابتداء لمجرد الرياء فقد يهيج من الخوف ما لا يملك العبد معهنفسه ولكن يسبقه خاطر الرياء فيقبله فيدعو إلى زيادة تحزين للصوت أو رفع له أو حفظالدمعة على الوجه حتى تبصر بعد أن استرسلت لخشية الله ولكن يحفظ أثرها على الوجه لأجلالرياء وكذلك قد يسمع الذكر فتضعف قواه من الخوف فيسقط ثم يستحي أن يقال له إنه سقطمن غير زوال عقل وحالة شديدة فيزعق ويتواجد تكلفا ليرى أنه سقط لكونه مغشيا عليه وقدكان ابتداء السقطة عن صدق وقد يزول عقله فيسقط ولكن يفيق سريعا فتجزع نفسه أن يقالحالته غير ثابتة وإنما هي كبرق خاطف فيستديم الزعقة والرقص ليرى دوام حاله وكذلك قديفيق بعد الضعف ولكن يزول ضعفه سريعا فيجزع أن يقال لم تكن غشيته صحيحة ولو كان لدامضعفه فيستديم إظهار الضعف والأنين فيتكئ على غيره يرى أنه يضعف عن القيام ويتمايل فيالمشي ويقرب الخطا ليظهر أنه ضعيف عن سرعة المشي فهذه كلها مكايد الشيطان ونزعات النفسفإذا خطرت فعلاجها أن يتذكر أن الناس لو عرفوا نفاقه في الباطن واطلعوا على ضميره لمقتوهوإن الله مطلع على ضميره وهو له أشد مقتا كما روي عن ذي النون رحمه الله أنه قام وزعقفقام معه شيخ آخر رأى فيه أثر التكلف فقال يا شيخ الذي يراك حين تقوم فجلس الشيخ وكلذلك من أعمال المنافقين وقد جاء في الخبر تعوذوا بالله من خشوع النفاق حديث تعوذوابالله من خشوع النفاق أخرجه البيهقي في الشعب من حديث أبي بكر الصديق وفيه الحارث بنعبيد الأيادي ضعفه أحمد وابن معين وإنما خشوع النفاق أن تخشع الجوارح والقلب غير خاشعومن ذلك الاستغفار والاستعاذة بالله من عذابه وغضبه فإن ذلك قد يكون لخاطر خوف وتذكرذنب وتندم عليه وقد يكون للمراءاة فهذه خواطر ترد على القلب متضادة مترادفة متقاربةوهي مع تقاربها متشابهة فراقب قلبك في كل ما يخطر لك وانظر ما هو ومن أين هو فإن كانلله فامضه واحذر مع ذلك أن يكون قد خفي عليكشيء من الرياء الذي هو كدبيب النمل وكنعلى وجل من عبادتك أهي مقبولة أم لا لخوفك على الإخلاص فيها واحذر أن يتجدد لك خاطرالركون إلى حمدهم بعد الشروع بالإخلاص فإن ذلك مما يكثر جدا فإذا خطر لك فتفكر في إطلاعالله عليك ومقته لك وتذكر ما قاله أحد الثلاثة الذين حاجوا أيوب عليه السلام إذ قاليا أيوب أما علمت أن العبد تضل عنه علانيته التي كان يخادع بها عن نفسه ويجزي بسريرتهوقول بعضهم أعوذ بك أن يرى الناس أني أخشاك وأنت لي ماقت وكان من دعاء علي بن الحسينرضي الله عنهما اللهم إني أعوذ بك أن تحسن في لامعة العيون علانيتي وتقبح لك فيما أخلوسريرتي محافظا على رياء الناس من نفسي مضيعا لما أنت مطلع عليه مني أبدي للناس أحسأمري وأفضي إليك بأسوأ عملي تقربا إلى الناس بحسناتي وفرارا منهم إليك بسيآتي فيحلبي مقتك ويجب علي غضبك أعذني من ذلك يا رب العالمين وقد قال أحد الثلاثة نفر لأيوبعليه السلام يا أيوب ألم تعلم أن الذين حفظوا علانيتهم وأضاعوا سرائرهم عند طلب الحاجاتإلى الرحمن تسود وجوههم فهذه جمل آفات الرياء فليراقب العبد قلبه ليقف عليها ففي الخبرإن للرياء سبعين بابا حديث الرياء سبعون بابا هكذا ذكر المصنف هذا الحديث هنا وكأنهتصحف عليه أو على من نقله من كلامه أنه الرياء بالمثناة وإنما هو الربا بالموحدة والمرسومكتابته بالواو والحديث رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة بلفظ الربا سبعون حوبا أيسرهاأن ينكح الرجل أمه وفي إسناد أبو معشر واسمه نجيح مختلف فيه وروى ابن ماجه أيضا منحديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الربا ثلاث وسبعون بابا وإسناده صحيحهكذا ذكر ابن ماجه الحديثين في أبوب التجارات وقد روى البزار حديث ابن مسعود بلفظ الربابضع وسبعون بابا والشرك مثل ذلك وهذه الزيادة قد يستدل بها على أنه الرياء بالمثناةلاقترائه مع الشرك والله أعلم وقد عرفت أن بعضه أغمض من بعض حتى إن بعضه مثل دبيب النملوبعضه أخفى من دبيب النمل وكيف يدرك ما هو أخفى من دبيب النمل إلا بشدة التفقد والمراقبةوليته أدرك بعد بذل المجهود فكيف يطمع في إدراكه من غير تفقد للقلب وامتحان للنفس وتفتيشعن خدعها نسأل الله تعالى العافية بمنه وكرمه وإحسانه.
بيان ماينبغي للمريد أن يلزم نفسه قبل العمل وبعده وفيه
اعلم أنأولى ما يلزم المريد قلبه في سائر أوقاته القناعة بعلم الله في جميع طاعاته ولا يقنعبعلم الله إلا من لا يخاف إلا الله ولا يرجو إلا الله فأما من خاف غيره وارتجاه اشتهىإطلاعه على محاسن أحواله فإن كان في هذه الرتبة فليلزم قلبه كراهة ذلك من جهة العقلوالإيمان لما فيه من خطر التعرض للمقت وليراقب نفسه عند الطاعات العظيمة الشاقة التيلا يقدر عليها غيره فإن النفس عند ذلك تكاد تغلي حرصا على الإفشاء وتقول مثل هذا العملالعظيم أو الخوف العظيم أو البكاء العظيم لو عرفه الخلق منك لسجدوا لك فما في الخلقمن يقدر على مثله فكيف ترضى بإخفائه فيجهل الناس محلك وينكرون قدرك ويحرمون الاقتداءبك ففي مثل هذا الأمر ينبغي أن يثبت قدمه ويتذكر في مقابلة عظم عمله عظم ملك الآخرةونعيم الجنة ودوامه أبد الآباد وعظم غضب الله ومقته على من طلب بطاعته ثوابا من عبادهويعلم أن إظهاره لغيره محبب إليه وسقوط عند الله وإحباط للعمل العظيم فيقول وكيف أتبعمثل هذا العمل بحمد الخلق وهم عاجزون لا يقدرون لي على رزق ولا أجل فيلزم ذلك قلبهولا ينبغي أن ييأس عنه فيقول إنما يقدر على الإخلاص الأقوياء فأما المخلطون فليس ذلكمن شأنهم فيترك المجاهدة في الإخلاص لأن المخلط إلى ذلك أحوج من المتقي لأن المتقيإن فسدت نوافله بقيت فرائضه كاملة تامة والمخلط لا تخلو فرائضه عن النقصان والحاجةإلى الجبران بالنوافل فإن لم تسلم صار مأخذوا بالفرائض وهلك به فالمخلط إلى الإخلاصأحوج وقد روى تميم الداري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يحاسب العبد يوم القيامةفإن نقص فرضه قيل انظروا هل له من تطوع فإن كان له تطوع أكمل به فرضه وإن لم يكن لهتطوع أخذ بطرفيه فألقي في النار حديث تميم الداري في إكمال فريضة الصلاة بالتطوع أخرجهأبو داود وابن ماجه وتقدم في الصلاة فيأتي المخلط يوم القيامة وفرضه ناقص وعليه ذنوبكثيرة فاجتهاده في جبر الفرائض وتكفير السيئات ولا يمكن ذلك إلا بخلوص النوافل وأماالمتقي فجهده في زيادة الدرجات فإن حبط تطوعه بقي من حسناته ما يترجح على السيئات فيدخلالجنة فإذن ينبغي أن يلزم قلبه خوف اطلاع غير الله عليه لتصح نوافله ثم يلزم قلبه ذلكبعد الفراغ حتى لا يظهره ولا يتحدث به وإذا فعل جميع ذلك فينبغي أن يكون وجلا من عملهخائفا أنه ربما داخله من الرياء الخفي ما لم يقف عليه فيكون شاكا في قبوله ورده مجوزاأن يكون الله قد أحصى عليه من نيته الخفية ما مقته بها ورد عمله بسببها ويكون هذا الشكوالخوف في دام عمله وبعده إلا في ابتداء العقل بل ينبغي أن يكون متيقنا في الابتداءأنه مخلص ما يريد بعمله إلا الله حتى يصح عمله فإذا شرع ومضت لحظة يمكن فيها الغفلةوالنسيان كان الخوف من الغفلة عن شائبة خفية أحبطت عمله من رياء أو عجب أولى به ولكنيكون رجاؤه أغلب من خوفه لأنه استيقن أنه دخل بالإخلاص وشك في أنه هل أفسده برياء فيكونرجاء القبول أغلب وبذلك تعظم لذته في المناجاة والطاعات فالإخلاص يقين والرياء شك وخوفهلذلك الشك جدير بأن يكفر خاطر الرياء إن كان قد سبق وهو غافل عنه والذي يتقرب إلى اللهبالسعي في حوائج الناس وإفادة العلم ينبغي أن يلزم نفسه رجاء الثواب على دخول السرورعلى قلب من قضى حاجته فقط ورجاء الثواب على عمل المتعلم بعلمه فقط دون شكر ومكافأةوحمد وثناء من المتعلم والمنعم عليه فإن ذلك يحبط الأجر فمهما توقع من المتعلم مساعدةفي شغل وخدمة أو مرافقة في المشي في الطريق ليستكثر باستتباعه أو ترددا منه في حاجةفقد أخذ أجره بلا ثواب له غيره نعم إن لم يتوقع هو ولم يقصد إلا الثواب على عمله بعلمهليكون له مثل أجره ولكن خدمة التلميذ بنفسه فقبل خدمته فنرجو أن لا يحبط ذلك أجره إذاكان لا ينتظره ولا يريده منه ولا يستبعده منه لو قطعه ومع هذا فقد كان العلماء يحذرونهذا حتى إن بعضهم وقع في بئر فجاء قوم فأدلوا حبلا ليرفعوه فحلف عليهم أن لا يقف معهممن قرأ عليه آية من القرآن أو سمع منه حديثا خيفة أن يحبط أجره وقال شقيق البلخي أهديتلسفيان الثوري ثوبا فرده علي فقلت له يا أبا عبد الله لست أنا ممن يسمع الحديث حتىترده علي قال علمت ذاك ولكن أخوك يسمع مني الحديث فأخاف أن يلين قلبي لأخيك أكثر ممايلين لغيره وجاء رجل إلى سفيان ببدرة أو بدرتين وكان أبوه صديقا لسفيان وكان سفيانيأتيه كثيرا فقال له يا أبا عبد الله في نفسك من أبي شيء فقال يرحم الله أباك كان وكانوأثنى عليه فقال يا أبا عبد الله قد عرفت كيف صار هذا المال إلي فأحب أن تأخذ هذه تستعينبها على عيالك قال فقبل سفيان ذلك قال فلما خرج قال لولده يا مبارك ألحقه فرده عليفرجع فقال أحب أن تأخذ مالك فلم يزل به حتى رده عليه وكأنه كانت أخوته مع أبيه في اللهتعالى فكره أن يأخذ ذلك قال ولده فلما خرج لم أملك نفسي أن جئت إليه فقلت ويلك أي شيءقلبك هذا حجارة عد أنه ليس لك عيال أما ترحمني أما ترحم إخوتك أما ترحم عيالنا فأكثرتعليه فقال لي يا مبارك تأكلها أنت هنيئا مرئيا وأسأل عنها أنا فإذن يجب على العالمأن يلزم قلبه طلب الثواب من الله في اهتداء الناس به فقط ويجب على المتعلم أن يلزمقلبه حمد الله وطلب ثوابه ونيل المنزلة عنده لا عند المعلم وعند الخلق وربما يظن أنله أن يرائي بطاعته لينال عند المعلم رتبته فيتعلم منه وهو خطأ لأن إرادته بطاعته غيرالله خسران في الحال والعلم ربما يفيد وربما لا يفيد فيكف يخسر في الحال عملا نقداعلى توهم علم وذلك غير جائز بل ينبغي أن يتعلم لله ويعبد الله ويخدم المعلم لله لاليكون له في قلبه منزلة إن كان يريد أن يكون تعلمه طاعة فإن العباد أمروا أن لا يعبدواإلا الله ولا يريدوا بطاعتهم غيره وكذلك من يخدم أبويه لا ينبغي أن يخدمهما لطلب المنزلةعندهما إلا من حيث إن رضا الله عنه في رضا الوالدين ولا يجوز له أن يرائي بطاعته لينالبها منزلة عند الوالدين فإن ذلك معصية في الحال وسيكشف الله عن ريائه وتسقط منزلتهمن قلوب الوالدين أيضا وأما الزاهد المعتزل عن الناس فينبغي له أن يلزم قلبه ذكر اللهوالقناعة بعلمه ولا يخطر بقلبه معرفة الناس زهده واستعظامهم محله فإن ذلك يغرس الرياءفي صدره حتى تتيسر عليه العبادات في خلوته به وإنما سكوته لمعرفة الله باعتزاله واستعظامهملمحله وهو لا يدري أنه المخفف للعمل عليه قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعلمت المعرفةمن راهب يقال له سمعان دخلت عليه في صومعته فقلت يا سمعان منذ كم أنت في صومعتك قالمنذ سبعين سنة قلت فما طعامك قال يا حنيفي وما دعاك إلى هذا قلت أحببت أن أعلم قالفي كل ليلة حمصة قلت فما الذي يهيج من قلبك حتى تكفيك هذه الحمصة قال ترى الدير الذيبحذائك قلت نعم قال إنهم يأتوني في كل سنة يوما واحدا فيزينون صومعتي ويطوفون حولهاويعظموني فكلما تثاقلت نفسي عن العبادة ذكرتها عز تلك الساعة فأنا احتمل جهد سنة لعزساعة فاحتمل يا حنيفي جهد ساعة لعز الأبد فوقر في قلبي المعرفة فقال حسبك أو أزيدكقلت بلى قال أنزل عن الصومعة فنزلت فأدلى لي ركوة فيها عشرون حمصة فقال لي ادخل الديرفقد رأوا ما أدليت إليك فلما دخلت الدير اجتمع علي النصارى فقالوا يا حنيفي ما الذيأدلى إليك الشيخ قلت من قوته قالوا فما تصنع به ونحن أحق به ثم قالوا ساوم قلت عشروندينارا فأعطوني عشرين دينارا فرجعت إلى الشيخ فقال يا حنيفي ما الذي صنعت قلت بعتهمنهم قال بكم قلت بعشرين دينارا قال أخطأت لو ساومتهم بعشرين ألف دينار لأعطوك هذاعز من لا تعبده فانظر كيف يكون عز من تعبده يا حنيفي أقبل على ربك ودع الذهاب والجيئةوالمقصود أن استشعار النفس عز العظمة في القلوب يكون باعثا في الخلوة وقد لا يشعر العبدبه فينبغي أن يلزم نفسه الحذر منه وعلامة سلامته أن يكون الخلق عنده والبهائم بمثابةواحدة فلو تغيروا عن اعتقادهم له لم يجزع ولم يضق به ذرعا إلا كراهة ضعيفة أن وجدهافي قلبه فيردها في الحال بعقله وإيمانه فإنه لو كان في عبادة واطلع الناس كلهم عليهلم يزده ذلك خشوعا ولم يداخله سرور بسبب اطلاعهم عليه فإن دخل سرور يسير فهو دليل ضعفهولكن إذا قدر على رده بكراهة العقل والإيمان وبادر إلى ذلك ولم يقبل ذلك السرور بالركونإليه فيرجى له أن لا يخيب سعيه إلا أن يزيد عند مشاهدتهم في الخشوع والانقباض كي لاينبسطوا إليه فذلك لا بأس به ولكن فيه غرور إذ النفس قد تكون شهوتها الخفية إظهار الخشوعوتتعلل بطلب الانقباض فيطالبها في دعواها قصد الانقباض بموثق من الله غليظ وهو أنهلو علم أن انقباضهم عنه إنما حصل بأن يعدوا كثيرا أو يضحك كثيرا أو يأكل كثيرا فتسمحنفسه بذلك فإذا لم تسمح وسمحت بالعبادة فيشبه أن يكون مرادها المنزلة عندهم ولا ينجومن ذلك إلا من تقرر في قلبه أنه ليس في الوجود أحد سوى الله فيعمل عمل من لو كان علىوجه الأرض وحده لكان يعمله فلا يلتفت قلبه إلى الخلق إلا خطرات ضعيفة لا يشق عليه إزالتهافإذا كان كذلك لم يتغير بمشاهدة الخلق ومن علامة الصدق فيه أنه لو كان له صاحبان أحدهماغني والآخر فقير فلا يجد عند إقبال الغني زيادة هزة في نفسه لا كرامة إلا إذا كان فيالغنى زيادة علم أو زيادة ورع فيكون مكرما له بذلك الوصف لا بالغنى فمن كان استرواحهإلى مشاهدة الأغنياء أكثر فهو مراء أو طماع وإلا فالنظر إلى الفقراء يزيد في الرغبةإلى الآخرة ويحبب إلى القلب المسكنة والنظر إلى الأغنياء بخلافه فكيف استروح بالنظرإلى الغني أكثر مما يستروح إلى الفقير وقد حكي أنه لم ير الأغنياء في مجلس أذل منهمفيه في مجلس سفيان الثوري كان يجلسهم وراء الصف ويقدم الفقراء حتى كانوا يتمنون أنهمفقراء في مجلسه نعم لك زيادة إكرام للغني إذا كان أقرب إليك أو كان بينك وبينه حق وصداقةسابقة ولكن يكون بحث لو وجدت تلك العلاقة في فقير لكنت لا تقدم الغني عليه في إكراموتوقير البتة فإن الفقير أكرم على الله من الغني فإيثارك لا يكون إلا طمعا في غناهورياء له ثم إذا سويت بينهما في المجالسة فيخشى عليك أن تظهر الحكمة والخشوع للغنيأكثر مما تظهره للفقير وإنما ذلك رياء خفي أو طمع خفي كما قال ابن السماك لجارية لهمالي إذا أتيت بغداد فتحت لي الحكمة فقالت الطمع يشحذ لسانك وقد صدقت فإن اللسان ينطقعند الغني بما لا ينطق به عند الفقير وكذلك يحضر من الخشوع عنده ما لا يحضره عند الفقيرومكايد النفس وخفاياها في هذا الفن لا تنحصر ولا ينجيك منها إلا أن تخرج ما سوى اللهمن قلبك وتتجرد بالشفقة على نفسك بقية عمرك ولا ترضى لها بالنار بسبب شهوات منغصة فيأيام متقاربة وتكون في الدنيا كملك من ملوك الدنيا قد أمكنته الشهوات وساعدته اللذاتولكن في بدنه سقم وهو يخاف الهلاك على نفسه في كل ساعة لو اتسع في الشهوات وعلم أنهلو احتمى وجاهد شهوته عاش ودام ملكه فلما عرف ذلك جالس الأطباء وحارف الصيادلة وعودنفسه شرب الأدوية المرة وصبر على بشاعتها وهجر جميع اللذات وصبر على مفارقتها فبدنهكل يوم يزداد نحولا لقلة أكله ولكن سقمه يزداد كل يوم نقصانا لشدة احتمائه فمهما نازعتهنفسه إلى شهوة تفكر في توالي الأوجاع والآلام عليه وأداه ذلك إلى الموت المفرق بينهوبين مملكته الموجب لشماتة الأعداء به ومهما اشتد عليه شرب دواء تفكر فيما يستفيدهمنه من الشفاء الذي هو سبب التمتع بملكه ونعيمه في عيش هنيء وبدن صحيح وقلب رخي وأمرنافذ فيخف عليه مهاجرة اللذات ومصابرة المكروهات فكذلك المؤمن المريد لملك الآخرة احتمىعن كل مهلك له في آخرته وهي لذات الدنيا وزهرتها فاجتزى منها بالقليل واختار النحولوالذبول والوحشة والحزن والخوف وترك المؤانسة بالخلق خوفا من أن يحل عليه غضب من اللهفيهلك ورجاء أن ينجو من عذابه فخف ذلك كله عليه عند شدة يقينه وإيمانه بعاقبة أمرهوبما أعد له من النعيم المقيم في رضوان الله أبد الآباد ثم علم أن الله كريم رحيم لمنيزل لعباده المريدين لمرضاته عونا وبهم رءوفا وعليهم عطوفا ولو شاء لأغنانهم عن التعبولكن أراد أن يبلوهم ويعرف صدق إرادتهم حكمة منه وعدلا ثم إذا تحمل التعب في بدايتهأقبل الله عليه بالمعونة والتيسير وحط عنه الأعباء وسهل عليه الصبر وحبب إليه الطاعةورزقه فيها من لذة المناجاة ما يلهيه عن سائر اللذات ويقويه على إماتة الشهوات ويتولىسياسته وتقويته وأمده بمعونته فإن الكريم لا يضيع سعي الراجي ولا يخيب أمل المحب وهوالذي يقول من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ويقول تعالى لقد طال شوق الأبرار إلىلقائي وإني إلى لقائهم أشد شوقا فليظهر العبد في البداية جده وصدقه وإخلاصه فلا يعوزهمن الله تعالى على القرب ما هو اللائق بجوده وكرمه ورأفته ورحمته تم كتاب ذم الجاهوالرياء والحمد لله وحده.


تعليقات
إرسال تعليق